يُجمع المراقبون والمتتبعون للشأن الترابي على أن مسيرة السيد محمد العطفاوي، والي جهة الشرق وعامل عمالة وجدة أنكاد، هي قصة نجاح إداري وإنساني نادرة في المشهد العمومي المغربي. فالرجل الذي راكم تجربة ميدانية تزيد عن أربعة عقود، جمع بين الكفاءة الإدارية، والقيادة الميدانية، وفن التواصل مع مختلف مكونات المجتمع، حتى أصبح نموذجًا في الحكامة الترابية المتوازنة التي تضع المواطن في قلب الفعل التنموي.
من إدارة الأزمات إلى هندسة التنمية
تدرّج محمد العطفاوي في مختلف مفاصل الإدارة الترابية، متنقلًا بين أقاليم المملكة، وقد بصم في كل محطة على بصمة خاصة تعكس عمق تكوينه وانفتاحه على الفكر العصري في تدبير الشأن المحلي.
من مهامه البارزة ككاتب عام مكلف بقيادة عمليات إعادة بناء مدينة الحسيمة بعد زلزال 2004، إلى قيادته دينامية تنموية فريدة في إقليم أزيلال منذ سنة 2015، وصولًا إلى إشرافه على إصلاحات هيكلية في إقليم الجديدة خلال ولايته الأخيرة، ظل السيد العطفاوي رجل الميدان بامتياز، لا يكتفي بالقرارات من وراء المكاتب، بل يترجمها على الأرض، بين الناس، في الأسواق، في الجبال، وفي المداشر النائية.
والي القرب والإنصات
من أبرز ما ميز مسار العطفاوي هو سياسة القرب التي انتهجها منذ بداياته. لم يكن يؤمن بالمسافة بين الإدارة والمواطن، بل كان يعتبر أن التنمية الحقيقية تنبع من الاستماع الصادق لنبض الشارع، وفتح قنوات الحوار مع كل القوى الحية في المجتمع — من منتخبين ونقابيين وفاعلين جمعويين ومهنيين.
كان يجلس مع الجميع دون بروتوكول، يستمع أكثر مما يتحدث، ويوجه بحكمة وواقعية. هذه المقاربة جعلت منه رجل ثقة واحترام في كل إقليم اشتغل فيه، إذ لم يكن مجرد “عامل” أو “والي”، بل شريكًا حقيقيًا في صناعة التنمية.
نموذج في الحكامة والتواضع
لمع اسم السيد العطفاوي كرمزٍ لـ الحكامة الجيدة المبنية على الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإشراك الفاعلين في اتخاذ القرار.
فبفضل أسلوبه الإداري الصارم والمتوازن، تمكن من تجاوز ملفات معقدة، ووضع أقاليمه السابقة على سكة الإصلاح والفعالية.
لكن ما جعله يلامس قلوب الناس هو تواضعه الإنساني، ودفء تواصله، وحرصه على معاملة الجميع باحترام، مهما كانت مواقعهم. لذلك، لم يكن غريبًا أن تتحول حفلات توديعه في أزيلال والجديدة إلى لحظات مؤثرة، غلبت فيها الدموع على الكلمات، والورود على الخطب.
أزيلال.. تجربة محفورة في الذاكرة
في إقليم أزيلال، لم تكن التنمية شعارًا بل واقعًا ملموسًا.
فقد أشرف العطفاوي على مشاريع كبرى همت فك العزلة عن القرى الجبلية، وتأهيل البنية التحتية، وتطوير التعليم والصحة، وتشجيع الاستثمار القروي.
بفضل رؤيته الميدانية وحنكته الإدارية، تحولت أزيلال إلى نموذج وطني في تدبير الإقليم الجبلي الصعب، بما يجمع بين النجاعة الإدارية والقرب الإنساني.
الجديدة.. من الجمود إلى الدينامية
وحين انتقل إلى إقليم الجديدة سنة 2024، أطلق ورشًا واسعًا لإعادة الحيوية إلى المدينة والإقليم.
فمن إعادة تشغيل المحطة الطرقية بعد سنوات من الجمود، إلى تأهيل الأسواق القروية والحضرية، وتحسين البنية التحتية، وتحديث الإنارة العمومية بتقنيات LED، وإطلاق برامج اجتماعية مهيكلة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، استطاع العطفاوي في فترة وجيزة أن يعيد الثقة بين المواطن والإدارة.
كما اتسمت ولايته بتدبير صارم ومنهجي لموسم الاصطياف 2025، عبر قرارات استباقية وتنظيمية ضمنت الأمن والنظافة وجودة الخدمات بالشواطئ.
إنجازاته الدقيقة بإقليم الجديدة: نموذج في الحكامة والتخطيط
أبان السيد محمد العطفاوي خلال ولايته على إقليم الجديدة عن رؤية تنموية شمولية انطلقت من تشخيص واقعي وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من العمل الترابي الممنهج.
فقد:
1. وضع رؤية تنموية تشاركية تعتمد على التشخيص الميداني والانفتاح على الفاعلين المحليين.
2. فعّل مشروع المحطة الطرقية الجديدة بعد سنوات من التوقف، بمعالجة اختلالاته الإدارية والمالية.
3. أطلق برنامج تأهيل أسواق القرب بحيي السعادة والسلام، وتأهيل الأسواق القروية لدعم الدورة الاقتصادية المحلية.
4. عمل على تحسين البنية التحتية من خلال إصلاح الطرق الحضرية والقروية، وتحديث الإنارة العمومية بتقنية LED، وتعزيز خدمات النظافة.
5. دعم قطاعي التعليم والصحة عبر تجهيز المؤسسات ومواكبة أداء الأطر الصحية والتربوية.
6. أطلق شراكات بين الجماعات الترابية لتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
7. تصدى بحزم لظاهرة البناء العشوائي والتجزيء السري حمايةً للتوازن العمراني.
8. أشرف على تحرير الملك العمومي وتنظيم الفضاءات الحضرية بالجديدة وأزمور.
9. أعاد هيكلة قطاع النظافة بعقود جديدة ومراقبة صارمة لجودة الخدمات.
10. حرّك عجلة المشاريع المتعثرة وساهم في تسريع وتيرة إنجازها.
11. أطلق مشاريع مهيكلة ضمن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في مجالات التكوين والإدماج المهني.
12. رسّخ التواصل المستمر مع المنتخبين والمجتمع المدني والإعلام المحلي، مؤكدًا على مبادئ الشفافية وتكامل الجهود.
13. أصدر قرارًا عامًا استباقيًا لتنظيم موسم الاصطياف 2025 ضمن مقاربة تشاركية شملت الأمن، النظافة، وتنظيم الأنشطة الشاطئية لضمان موسم سياحي آمن ومشرف.
هذه الإنجازات، في أقل من سنة، جسدت كفاءة الرجل وقدرته على تحويل الرؤية إلى واقع، وإعادة الاعتبار لمفهوم الفعل الميداني المسؤول، مما جعل الساكنة والمنتخبين وفعاليات المجتمع المدني يودعونه بالدموع والورود عند انتقاله إلى جهة الشرق، عرفانًا بما قدمه من عطاء نزيه وملموس.
وجدة.. محطة جديدة ومسؤولية متجددة
اليوم، ومع تعيينه واليًا على جهة الشرق وعاملًا على عمالة وجدة أنكاد، ينتقل السيد محمد العطفاوي إلى مسؤولية أوسع، محملًا برصيدٍ من التجربة الميدانية والنجاحات المتراكمة.
يُعوّل عليه في تعزيز إشعاع الجهة اقتصاديًا واجتماعيًا، ومواصلة تنزيل الرؤية الملكية للتنمية المجالية المتوازنة التي تجعل من جهة الشرق بوابةً للتكامل والتعاون بين الأقاليم والجهات.
ختامًا: رجل بصمة وإنسان أثر
ليس من السهل أن يترك مسؤولٌ إداري أثرًا عميقًا في نفوس الناس، لكن محمد العطفاوي فعلها بأسلوبه الخاص: بالقرب لا بالسلطة، وبالإنصات لا بالأوامر، وبالعمل لا بالشعارات.
لهذا، حين غادر أزيلال والجديدة، ودّعه الجميع بالورود والدموع والأحضان، في مشهد نادر يلخص علاقة المسؤول بالمواطن حين تكون مبنية على الثقة والاحترام المتبادل.
واليوم، يستقبل الشرق رجل الدولة الهادئ، الحازم، المتواضع… رجل يؤمن أن القيادة الحقيقية تُمارَس من الميدان، لا من المكاتب.
حدث بريس