جرادة… تُشيّع ثمانية أفارقة،و ودّعت ثمانية إخوة من جنوب الصحراء. إنها ملحمة وفاء لثمانية إخوة أفارقة والله لا يضيع أجر المحسنين.

في زمنٍ تتكاثر فيه الأخبار القاسية، وتُختَبر فيه القيم الإنسانية على تخوم الحدود، سطّرت مدينة جرة درسًا بليغًا في الإنسانية الخالصة، درسًا لا يُدرَّس في الكتب بل يُخلَّد في الضمائر.

ثمانية إخوة أفارقة، جمعتهم الغربة وفرّقتهم المنية عند الحدود المغربية الجزائرية بمنطقة تويسنت، لكنهم وجدوا في ساكنة مدينة جرادة ما لم يجدوه في كثير من بقاع العالم: الرحمة، والكرامة، والاحتواء.

لقد تجندت السلطات المحلية بكل مسؤولية وحكمة، وفتحت الجمعيات المدنية قلوبها قبل مقراتها، وهبّ المواطنون تلقائيًا، دون ضجيج ولا انتظار شكر، ليتكفلوا بجميع متطلبات الدفن من تجهيز، وتكريم، ودفن يليق بكرامة الإنسان، أيًّا كان لونه أو جنسيته أو طريقه في الحياة.

ولم يتوقف المشهد عند حدود الواجب، بل ارتقى إلى حفل عزاء جماهيري، حضره أبناء المدينة في صورة مؤثرة، جسّدت معنى الأخوّة الإنسانية في أنقى صورها؛ عزاءٌ لم يكن طقسًا شكليًا، بل رسالة واضحة للعالم:

هنا في جرادة، الإنسان أولًا، والرحمة لا تعرف الحدود.

لقد كانت لحظة صمتٍ أبلغ من كل الخطب، ولحظة تضامنٍ أقوى من كل الشعارات. جرادة لم تُشيّع ثمانية غرباء، بل ودّعت ثمانية إخوة، وأعادت تعريف معنى الجوار، ومعنى الانتماء، ومعنى المغرب الذي نؤمن به.

تحية إجلال واحترام لكل يدٍ امتدت بالخير، لكل قلبٍ بكى في صمت، لكل خطوةٍ سعت لدفن الألم بكرامة، ولكل روحٍ قالت بالفعل لا بالقول: “الله لن يضيع أجر المحسنين.”

رحم الله الفقيدين جميعًا،

وجزى الله ساكنة مدينة جرة، سلطةً وجمعياتٍ ومواطنين، خير الجزاء، وجعل ما قاموا به في ميزان حسناتهم، وخلّد هذا الموقف الإنساني شاهدًا على أن الإنسانية لا تموت… ما دام في الأرض أمثالكم يا أبناء جرادة . الفيديو أسفله من تصور hiba press et flash 24