البوليساريو بين مسار التصنيف الإرهابي وتداعيات إيوائها ودعمها دوليا

لم يعد الحديث عن جبهة البوليساريو في واشنطن محصورًا في قاموس النزاع الإقليمي أو في توصيفها كحركة انفصالية تدور داخل نزاع الصحراء المغربية، بل بدأ ينتقل، بصورة متدرجة ولكن ذات دلالة ثقيلة، إلى حقل آخر أشد خطورة: حقل الإرهاب العابر للحدود، والارتباط بوكلاء إيران، والتحول المحتمل من فاعل نزاعي محلي إلى أداة توظيف جيوسياسي داخل شبكة الميليشيات التي يديرها الحرس الثوري بمنطق الحرب غير النظامية. ذلك أن ما جرى في الكونغرس الأميركي لم يعد مجرد ضجيج سياسي، بل صار مبادرة تشريعية مكتوبة تحمل اسمًا واضحًا: “Polisario Front Terrorist Designation Act of 2026”، وقد قُدّمت في مجلس الشيوخ يوم 13 مارس 2026، ونصّت على إلزام وزير الخارجية بالتحقق من صلات البوليساريو بجهات إرهابية مرتبطة بإيران، وعلى المضي نحو التصنيف إذا ثبت هذا التعاون. وقبلها كان مجلس النواب قد شهد في 24 يونيو 2025 مشروعًا مماثلًا تحت رقم H.R. 4119، بما يدل على أن الفكرة لم تعد معزولة، بل بدأت تتحول إلى اتجاه داخل المؤسسة التشريعية الأميركية نفسها. 

وهنا لا بد من التمييز بين ثلاث دوائر: دائرة الثابت الرسمي، ودائرة الاتهام السياسي المدعوم بمؤشرات، ودائرة المبالغة الإعلامية التي تتجاوز الأدلة. أما الثابت الرسمي اليوم، فهو أن الكونغرس الأميركي صار يربط البوليساريو صراحة بإيران وحزب الله، وأن مشروع 2025 في مجلس النواب أورد مزاعم محددة عن روابط عملياتية ودعم خارجي وتدريب وتسليح، ثم جاء مشروع 2026 في مجلس الشيوخ ليحوّل هذه الشبهات إلى مسار قانوني يطلب من وزير الخارجية تقريرًا رسميًا يحدد ما إذا كانت الجبهة تتعاون مع جهات إرهابية مرتبطة بإيران في مجالات المشاركة المسلحة، أو أنظمة السلاح، أو الطائرات المسيّرة، أو أنظمة الاستهداف الجوي، أو الدعم الاستخباراتي العسكري. وهنا تكون البوليساريو قد دخلت، رسميًا، منطقة الاشتباه الأمني العالي داخل واشنطن، حتى وإن لم يصدر بعد قرار نهائي بالتصنيف. 

غير أن هذا المسار الأميركي لم يخرج من فراغ. فالمنعطف السياسي الحاسم يعود إلى سنة 2018 حين أعلن المغرب قطع العلاقات مع إيران، وصرّح رسميًا بأن طهران، عبر حزب الله، قدّمت دعمًا عسكريًا وتدريبًا لعناصر من البوليساريو. أهمية هذه اللحظة لا تكمن فقط في مضمون الاتهام، بل في أنها نقلت الملف من خانة الهمس الاستخباراتي إلى مستوى الموقف السيادي المعلن، مع ما يترتب عليه من مسؤولية سياسية ودبلوماسية. وقد نقلت رويترز هذا الاتهام بوضوح، كما نقلت في المقابل النفي الإيراني، وهو ما يجعل المنهج السليم يقرر أننا أمام اتهام مغربي رسمي ثابت قابله نفي إيراني معلن، لكن الذي تغيّر منذ ذلك التاريخ هو أن واشنطن بدأت تنظر إلى هذه المعطيات لا بوصفها رواية نزاعية مغربية فقط، بل بوصفها ملفًا يحتمل أن تكون له صلة ببنية الإرهاب الإقليمي الذي تديره إيران عبر أذرعها المسلحة. 

لكن الأخطر في هذا الملف ليس فقط سؤال: هل البوليساريو تتلقى تدريبًا أو دعمًا أو إسنادًا؟ بل سؤال آخر أكثر إيلامًا: ماذا يترتب على من يأويها أو يدعمها إذا انتهى المسار الأميركي إلى تصنيفها منظمة إرهابية أجنبية أو إدراجها ضمن نظام العقوبات الإرهابية؟ هنا ندخل إلى قلب المسألة التي تمس الجزائر أولًا، وتمتد سياسيًا وماليًا إلى كل دولة أو جهة تفتح لها المجال أو تمنحها الغطاء أو التمويل أو التسهيل.

في القانون الأميركي، إذا صُنّفت جهة ما منظمة إرهابية أجنبية (FTO)، فإن تقديم “دعم مادي” لها يصبح جريمة بموجب 18 U.S.C. § 2339B، ويشمل ذلك المال، والخدمات، والتجهيزات، والنقل، والتنسيق، والوساطة، وغير ذلك من صور الإسناد الواعي. وزارة العدل الأميركية تنص صراحة على أن القانون يجعل من غير المشروع، داخل الولايات المتحدة أو من قبل أي شخص خاضع لولايتها أينما كان، أن يقدّم عن علم دعمًا ماديًا لمنظمة مصنفة. كما أن وزارة الخارجية تبيّن أن ممثلي المنظمة وأعضاءها الأجانب يمكن أن يصبحوا غير مقبولين للدخول إلى الولايات المتحدة، وفي بعض الحالات قابلين للإبعاد منها. هذا يعني أن التصنيف، إذا وقع، لا يبقى عنوانًا رمزيًا، بل يتحول إلى منظومة تجريم ومنع وعزل. 

أما إذا سلكت واشنطن مسار العقوبات الإرهابية بموجب E.O. 13224 ونظام Global Terrorism Sanctions Regulations، فإن النتيجة المباشرة هي تجميد الأموال والممتلكات والمصالح المالية الواقعة في الولايات المتحدة أو في حيازة أو سيطرة أشخاص أميركيين، مع حظر المعاملات الأميركية مع الجهة أو الأفراد المعنيين. وتوضح أوفاك أن الكيانات المملوكة بنسبة 50% أو أكثر من أشخاص محظورين تصبح بدورها محظورة، كما أن المخالفات قد تؤدي إلى عقوبات مدنية أو جنائية على أشخاص أميركيين وغير أميركيين. والأخطر من ذلك أن وزارة الخزانة تؤكد، في عدة إجراءات حديثة ضد شبكات مرتبطة بحزب الله والحوثيين، أن الأشخاص والكيانات التي تنخرط في معاملات معيّنة مع المصنَّفين قد تتعرض هي نفسها للعقوبات أو لإجراءات إنفاذ، وأن المؤسسات المالية الأجنبية التي تسهّل عمدًا معاملات كبيرة أو تقدّم خدمات مالية مهمة للمصنّفين قد تواجه بدورها عقوبات أميركية. 

ومن هنا، فإن الكلام عن الجزائر لا ينبغي أن يصاغ بصيغة الانفعال، بل بصيغة التكييف القانوني المحتمل. الجزائر، بوصفها الدولة التي تؤوي البوليساريو على أرضها وتوفّر لها الفضاء السياسي والأمني والعسكري واللوجستي، قد تصبح—إذا حصل التصنيف وثبت العلم والدعم والتيسير—في دائرة الخطر القانوني والسياسي الأميركي. وهذا لا يعني، في الحالة الراهنة، أن الولايات المتحدة ستعاقب الدولة الجزائرية تلقائيًا كوحدة سيادية بنفسها؛ لأن هذا مسار أعقد ويتصل بقرارات تنفيذية وسياسية أوسع. لكن الذي يمكن قوله بدقة هو أن المسؤولين، والوسطاء، والواجهات المالية، والشركات، وشبكات النقل، والقنوات التي يثبت أنها قدّمت دعمًا ماديًا أو خدمات أو تسهيلات لمنظمة مصنفة، تصبح كلها عرضة للاستهداف بالعقوبات أو للملاحقة أو للعزل المالي والمصرفي. الفرق هنا جوهري بين معارضة سياسية للمغرب، وهي أمر تتحمله الدبلوماسية، وبين إسناد كيان مصنف إرهابيًا، وهو أمر يدخل في حقل العقوبات والردع والعزل.

والأمر نفسه ينسحب على الدول الداعمة سياسيًا وماليًا للبوليساريو، سواء داخل ما تبقى من المحور الكوبي-الاشتراكي القديم أو في بعض الدوائر المتحالفة أيديولوجيًا مع سردية الانفصال. فالدعم السياسي المجرد، من حيث الأصل، لا يساوي تلقائيًا “دعمًا ماديًا” بالمعنى الجنائي الأميركي؛ لكن متى انتقل هذا الدعم إلى تمويل، أو توفير بنية، أو تسهيل تحويلات، أو خدمات لوجستية، أو تغطية تشغيلية، أو تمكين قانوني ومالي، فإنه يقترب من المنطقة التي تبدأ فيها العقوبات الأميركية بالتمدد. وقد أظهرت إجراءات وزارة الخزانة ضد شبكات تمويل حزب الله والحوثيين أن الاستهداف لا يقف عند قادة التنظيم أنفسهم، بل يطول الشركاء التجاريين، والوسطاء، وشركات الواجهة، والمسهّلين، ومقدمي الخدمات المالية. وعليه فإن أي دولة أو جهة أو مؤسسة تظن أن الدعم “التضامني” لكيان مصنف يمكن أن يبقى محميًا تحت غطاء الخطاب السياسي، قد تجد نفسها أمام حقيقة أخرى: العقوبات الأميركية لا تعاقب الشعار، بل تعاقب الأثر المالي والعملياتي للشعار. 

وهنا تتضح خطورة اللحظة بالنسبة إلى جنوب أفريقيا أيضًا، لا من باب المماثلة السطحية، ولكن من باب المفارقة الأخلاقية والسياسية. فجنوب أفريقيا التي تقدم نفسها اليوم في عدد من الملفات بوصفها وريثة النضال ضد التمييز والظلم، تتجاهل أن المغرب نفسه كان قد قدّم دعمًا مبكرًا لنيلسون مانديلا وحركة المؤتمر الوطني الأفريقي، حيث قدّم سنة 1962 المال والسلاح للمؤتمر الوطني الأفريقي، في مرحلة كان فيها مانديلا يبحث عن الإسناد الإفريقي لتحرير بلاده من الأبارتهايد. وحتى مع التحفظ الأكاديمي اللازم على التفاصيل الدقيقة المتعلقة بالمبالغ والتواريخ الجزئية، فإن الثابت في هذا السرد أن للمغرب رصيدًا تاريخيًا في مساندة التحرر الإفريقي، وهو ما يجعل اصطفاف بعض القوى الإفريقية اليوم إلى جانب سردية الانفصال مفارقة سياسية لا تخلو من جحود للذاكرة. 

ليست القضية، إذن، مجرد خصومة بين الرباط والبوليساريو، ولا مجرد تنازع في توصيف كيان مسلح. القضية تتجه إلى ما هو أبعد: إلى إعادة تعريف البيئة التي تتحرك فيها الجبهة. فإذا كانت إيران قد بنت نفوذها في المشرق عبر حزب الله، وفي العراق عبر الميليشيات، وفي اليمن عبر الحوثيين، فإن السؤال الأميركي اليوم هو: هل تريد أن تبني في المجال المغاربي-الساحلي ذراعًا جديدًا يلبس قناع النزاع الانفصالي بينما يؤدي وظيفة الميليشيا الوكيلة؟ هذا السؤال هو الذي يفسر التحول من مجرد مراقبة سياسية إلى تفكير تشريعي عقابي.

ولذلك فإن إدراج مسألة “من يأوي ومن يدعم” ليس تفصيلًا ملحقًا بملف البوليساريو، بل هو جزء من صلبه. فالتنظيم لا يعيش في الفراغ؛ إنه يحتاج إلى أرض حاضنة، وغطاء سياسي، وقنوات تمويل، وشرعية خطابية، وشبكات تنقّل، ومنصات علاقات عامة. فإذا هُدم هذا الحاضن القانوني والمالي والسياسي، تهاوى جزء كبير من قدرته على البقاء. ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يترتب على أي تصنيف أميركي محتمل للبوليساريو ليس فقط وصم الجبهة نفسها، بل توسيع دائرة التدقيق والعقاب لتشمل كل من حوّل نفسه إلى رئة تتنفس منها.

أليس من حق المغرب، بعد كل هذا، أن يقول إن القضية لم تعد قضية ترابية فقط، بل قضية أمن إقليمي ودولي؟ وأليس من واجب العواصم التي تؤوي أو تموّل أو تبرر أن تسأل نفسها: ماذا لو تحوّل الغطاء السياسي إلى شبهة تواطؤ قانوني؟ ثم أليس من مفارقات التاريخ أن من ساند تحرر أفريقيا بالأمس يجد نفسه اليوم مضطرًا إلى مواجهة شبكات تريد تحويل جواره الاستراتيجي إلى مختبر جديد لوكلاء إيران؟

المصدر:الشعاع