القصبة الإسماعيلية بمدينة العيون سيدي ملوك..

ذاكرة تاريخية تقاوم النسيان وتستغيث قبل السقوط
في قلب مدينة العيون سيدي ملوك , يقف معلم تاريخي يحمل بين جدرانه صفحات من ذاكرة المنطقة، وشاهدا صامتا على مرحلة من تاريخ المغرب خلال عهد الدولة العلوية.
إنها القصبة الإسماعيلية , التي ارتبط اسمها بالسلطان العلوي المولى إسماعيل، وبمرحلة تاريخية عرفت اهتماما بتحصين المدن والمراكز الاستراتيجية وبناء القلاع والأسوار.
غير أن هذا المعلم الذي كان من المفترض أن يحظى بالعناية والصيانة باعتباره جزءا من الذاكرة الجماعية والتراث المعماري المغربي، أصبح اليوم، بحسب ما تثيره وضعية الإهمال والتدهور، عنواناً مؤلما للتناقض بين الاعتراف بقيمة التراث من جهة وتركه عرضة لعوامل الزمن والطبيعة من جهة أخرى.
إن القصبة الإسماعيلية ليست مجرد بناية قديمة، بل ذاكرة مكان، وشاهد على تاريخ مدينة، وأمانة ثقافية ينبغي الحفاظ عليها للأجيال القادمة.
8 نونبر 2019بداية مسار التقييد حيث تقدمت جماعة العيون سيدي ملوك بطلب إدراج القصبة ضمن لائحة المآثر التاريخية الوطنية، اعترافا بقيمتها التاريخية ودورها في نشأة المدينة وتطورها.
18 مارس 2022 صدر قرار وزير الشباب والثقافة والتواصل القاضي بتقييد قصبة العيون سيدي ملوك في عداد الآثار.
18 أبريل 2023 نشر القرار في الجريدة الرسمية للمملكة المغربية، ليكتسب التقييد سنده الرسمي ضمن الإطار القانوني لحماية الآثار.
وجاء هذا التقييد استنادا إلى القانون المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والمناظر والكتابات المنقوشة والتحف الفنية .
وتكمن أهمية هذا الإجراء في الاعتراف الرسمي بالقيمة التاريخية والمعمارية للقصبة، وإخضاع التغييرات التي قد تمس مكوناتها التراثية أو شكلها العام للمقتضيات القانونية ذات الصلة، بما يحد من مخاطر التشويه أو الهدم أو التغيير غير المرخص به.
هنا تكمن المفارقة المؤلمة.
فبعد أن حظيت القصبة باعتراف رسمي بقيمتها التاريخية، كان المنتظر أن يشكل ذلك بداية مرحلة جديدة من الحماية والصيانة والترميم، وأن تتحول إلى رافعة ثقافية وسياحية للمدينة. لكن المعطيات المنشورة حول وضعها تكشف أن خطر التدهور لم ينته بمجرد صدور قرار التقييد.ففي سنة 2022، كانت أصوات محلية قد نبهت إلى الإهمال الذي يهدد عددا من المآثر التاريخية بالمنطقة، ومن بينها قصبة المولى إسماعيل.
إن تآكل الأسوار الطينية بفعل الأمطار والرطوبة والرياح، إذا استمر دون صيانة ملائمة، قد يؤدي إلى فقدان أجزاء من البناء الأصلي، ويجعل عمليات الإنقاذ اللاحقة أكثر صعوبة وكلفة. كما أن احتمال انهيار أجزاء من الأسوار، يثير مخاوف تتعلق بسلامة السكان والمارة.و خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمعلمة تاريخية مهددة بالاندثار.فما جدوى إدراج معلمة تاريخية ضمن الموروث الثقافي إذا ظلت جدرانها تتاكل، وأجزاؤها تتهاوى، ومكوناتها المعمارية مهددة بالاندثار؟ وأي معنى للاعتراف بقيمة التاريخ إذا لم يتحول ذلك الاعتراف إلى إجراءات فعلية للحماية والترميم والتثمين؟
وهنا يحق لنا أن نطرح سؤالا مباشرا، وربما محرجا، على بعض أعضاء المجلس الجماعي للعيون سيدي ملوك: أليس من بينكم مستشار أو منتخب غيور يتبنى ملف القصبة الإسماعيلية، ويدافع عنها من داخل المجلس، ويطالب على الأقل بإصلاح أرضيتها وتهيئتها، كما هو الشأن بالنسبة إلى بعض القصبات والمعالم التاريخية في مدن مغربية أخرى؟
ألا تستحق هذه المعلمة التاريخية أن تدرج ضمن أولويات المجلس؟
ألم يكن من الممكن، في انتظار مشروع الترميم الشامل، اقتراح تدخل مرحلي لحماية ما تبقى منها،وتأمين الأجزاء المتضررة، بتنسيق مع المصالح المختصة في حماية التراث؟
[10:37, 12/10/2026] Akhbar Chark: إننا لا نتحدث عن بناية عادية، بل عن معلمة تحمل اسم المولى إسماعيل، وترتبط بتاريخ المدينة وذاكرتها. وقد جرى تقييدها ضمن عداد الآثار الوطنية، لكن الاعتراف بقيمتها لا ينبغي أن يبقى حبيس الوثائق والقرارات، بينما تتاكل مكوناتها بفعل عوامل الطبيعة.
فأين هي المبادرات داخل دورات المجلس؟ ومن بادر إلى طرح ملف القصبة؟
وهل سبق أن طالب أحد المنتخبين بإصلاح أرضيتها على الأقل، في انتظار الترميم الشامل؟
وإذا كانت هناك مبادرات بالفعل، فما مآلها وما النتائج التي حققتها؟
هذه أسئلة مشروعة لا تستهدف شخصاً بعينه، ولا تنتقص من مجهود أي طرف، وإنما تطالب بالوضوح والمحاسبة المؤسساتية.
فالمواطن من حقه أن يعرف ما الذي قام به ممثلوه للحفاظ على تراث مدينته وما قدمه ممثل الحي لابناء القصبة، وما الذي يعتزمون القيام به قبل أن يصبح التدخل أصعب وأكثر كل

لسنا في حاجة إلى مزيد من الصور التذكارية أمام المعالم التاريخية، ولا إلى الاكتفاء بالتغني بأمجاد الماضي؛ نحن في حاجة إلى مبادرات ملموسة، ومقترحات داخل المجلس، ومراسلات رسمية، وتتبع جاد للملف لدى الجهات المسؤولة.
فإذا كانت بعض المدن تسعى إلى إحياء قصباتها وتأهيلها، فلماذا تظل القصبة الإسماعيلية بالعيون سيدي ملوك تنتظر من يضع إنقاذها ضمن الأولويات ..وهل أصبحت مطلبا أكبر من أن يتبناه ممثل الحي داخل المجلس الجماعي؟
إن التاريخ لا يطلب من ممثلي الساكنة المستحيل؛ يطلب منهم فقط أن يقوموا بواجبهم، وأن يجعلوا حماية ذاكرة المدينة قضية تستحق السؤال والمبادرة والمتابعة، قبل أن يتحول الصمت إلى خسارة لا يمكن تعويضها