الرباط ـ «القدس العربي»: يتواصل الجدل القانوني والمؤسساتي في المغرب بشأن مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة، في وقت تتقاطع فيه مطالب فئات مهنية مختلفة مع رهانات إصلاح منظومة العدالة وتعزيز جودة التكوين القانوني. وبين دعوات الانفتاح على الكفاءات الأكاديمية وتحفظات المهنيين بشأن شروط الولوج، برزت قضية السماح للأساتذة الجامعيين بمزاولة مهنة المحاماة إلى جانب مهامهم الأكاديمية كأحد أبرز محاور النقاش الدائر داخل البرلمان وخارجه.
في هذا السياق، نظمت مجموعة من الأساتذة الباحثين في كليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، صباح الأربعاء، وقفة احتجاجية أمام مقر البرلمان في الرباط، مطالبين بتعديل المادتين 13 و14 من مشروع القانون بما يتيح لهم الجمع بين التدريس الجامعي وممارسة المحاماة. ورفع المحتجون شعارات من قبيل «صامدون وللمحاماة مطالبون» و»يا حماة القانون.. الأستاذ شريك المضمون» و»بالحق والقانون عن حقنا مدافعون»، في تعبير واضح عن تمسكهم بهذا المطلب.
وزير العدل يتفهم المطلب استناداً إلى تجارب دولية
وأوضح المشاركون في الوقفة مطلبهم بانفتاح مهنة المحاماة، دفاعًا عن رسالة الدفاع النبيلة. كما ناشدوا النواب البرلمانيين بإعادة النظر في المادتين 13 و14 من مشروع قانون المحاماة على غرار جميع قوانين المحاماة في الدول العربية والأوربية والأمريكية، دعما للاستثمار وتجويدا لسوق الخدمات القانونية وخدمة للتنمية. واعتبروا إقصاء الأساتذة الجامعيين المختصين من مهنة المحاماة «جريمة في حق القانون»، وفق ما جاء في صفحة على «فيسبوك».
مطلب مؤسساتي
ويؤكد الأساتذة المحتجون أن مبادرتهم لا تنطلق من منطلق فئوي أو مصلحة شخصية، بل من اقتناع مؤسساتي، مفاده أن تطوير العدالة يمر عبر بناء جسور متينة بين الجامعة ومهن القانون، بما يسمح بتثمين الخبرة العلمية والبحثية للأساتذة في خدمة جودة التكوين القانوني والرفع من مستوى الممارسة المهنية. كما شددوا على ضرورة تأطير هذا الانفتاح بضوابط واضحة تحترم استقلالية مهنة المحاماة وتراعي قواعد الأخلاقيات المهنية، مع تفادي أي وضعيات محتملة لتضارب المصالح. وفي مذكرة موجهة إلى وزير العدل عبد اللطيف وهبي، طالب الأساتذة بتعديل مقتضيات المشروع بما يسمح لهم بمزاولة المهنة، معتبرين أن منع الجمع بين التدريس والمحاماة يتعارض مع الدينامية التي يعرفها المغرب في إطار «النموذج التنموي الجديد»، الذي يولي أهمية كبرى لربط التكوين بسوق العمل. كما أشاروا إلى أن الأستاذ الجامعي، خاصة في مجال القانون، لا يمكنه أداء دوره الكامل في تكوين طلبة مؤهلين للاندماج المهني إذا ظل منفصلا عن الممارسة العملية.
واقترحت المذكرة إعفاء أساتذة التعليم العالي المتخصصين في القانون من شهادة الكفاءة لمزاولة المحاماة، مع إخضاعهم لفترة تمرين مدتها ستة أشهر داخل مكاتب محامين، إلى جانب استثناء التدريس من حالات التنافي المنصوص عليها في المشروع، معتبرة أن هذا الحق كان مكفولا في قوانين سابقة، وأن التراجع عنه يمس بمكتسبات قائمة.
مواقف حكومية
وكشف وزير العدل عبد اللطيف وهبي، عن وجود نقاش مع هيئات المحامين حول هذه المسألة، مشيرا إلى أن عددا من المهنيين أبدوا تحفظات بشأن إمكانية منافسة الأساتذة الجامعيين لهم داخل المهنة. غير أن الوزير عبّر، في المقابل، عن موقف داعم لفكرة الانفتاح، معتبرا أن إدماج الأساتذة في الممارسة القضائية من شأنه الرفع من مستوى النقاش القانوني داخل المحاكم والجامعات على حد سواء.
وأكد وهبي، خلال اجتماع لجنة العدل والتشريع في مجلس النواب، أن التجارب الدولية، من بينها المحكمة الجنائية الدولية، تضم عددا كبيرا من الأكاديميين، وهو ما يعزز جودة النقاش القانوني ويقوي الطرح الفقهي. كما أبدى استعداده للدفاع عن هذا التوجه داخل البرلمان، مع ضرورة التنسيق مع باقي القطاعات الحكومية المعنية، خاصة وزارة التعليم العالي والأمانة العامة للحكومة.
غير أن هذا التوجه لا يحظى بإجماع داخل الوسط المهني، حيث عبرت المحامية فاطمة الزهراء الإبراهيمي عن موقف مؤيد لانفتاح المهنة، معتبرة أن المحاماة لم تتضرر يوما من انخراط القضاة أو الأكاديميين، بل إن هذا التلاقي بين المعرفة النظرية والممارسة المهنية يعزز جودة الاجتهاد القضائي. ودعت إلى توحيد الصفوف بين مختلف الفاعلين القانونيين، عوض الانخراط في «صراعات جانبية» لا تخدم تطوير المهنة.
في المقابل، يرى المحامي عبد الرحمن الباقوري أن مطالب الأساتذة الجامعيين تعكس توجها «ذاتيا» يروم توسيع مصادر الدخل، محذّرًا من انعكاسات سلبية محتملة على جودة التدريس الجامعي. واعتبر أن الجمع بين التدريس والمحاماة قد يؤدي إلى إهمال الطلبة وتضييع الزمن الجامعي، خاصة في ظل التزامات المحامي المهنية التي تتطلب تفرغا كاملا، مؤكدا أن وظيفة الأستاذ الجامعي تقتضي بدورها التفرغ والانضباط.
وبموازاة هذا النقاش، طرحت نقابة «الفدرالية الديمقراطية للشغل» إشكالات أخرى مرتبطة بولوج مهنة المحاماة، من خلال مراسلة وجهتها إلى «مجلس المنافسة»، طالبت فيها بدراسة القيود التي تحد من الولوج إلى المهنة، خاصة شرط السن، الذي اعتبرته غير معياري ويؤدي إلى إقصاء فئات واسعة من المواطنين.
التمييز بين المغاربة والأجانب
وأشارت النقابة إلى أن هذا الشرط يخلق نوعا من التمييز بين المغاربة والأجانب، إذ يسمح للأجانب بمزاولة المهنة في المغرب حتى بعد تجاوز السن القانونية، استنادًا إلى مبدأ المعاملة بالمثل، في حين يُحرم المواطنون المغاربة من ذلك. كما انتقدت إقصاء مسالك مهنية مغربية مرتبطة بالدفاع القضائي، معتبرةً أن هذا الوضع يتعارض مع مبادئ تكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون.
وفي بيان أصدرته شعبة القانون الخاص في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية التابعة لجامعة المولى إسماعيل في مدينة مكناس، أفاد الأساتذة بأنهم يتعاطون بإيجابية تامة مع روح الانفتاح الذي أبداها مشروع قانون المحاماة، خاصة في المادتين 13 و14 عن طريق استيعابه لبعض الفئات المهنية، لكنهم عبّروا عن استغرابهم من استثناء فئة الأساتذة الجامعيين المتخصصين في القانون من هذا الانفتاح.
وأكدوا رفضهم القاطع للصيغة الحالية للمشروع التي أبقت على حالة التنافي بين تدريس الأستاذ الجامعي للقانون وممارسته للقانون من خلال مهنة المحاماة «في ضرب فاضح لوحدة العائلة القانونية»، وفق تعبيرهم. كما طالبوا بإلغاء شرطي الاستقالة وتحديد السن في 55 سنة. وشددوا على أن العديد من التجارب الدولية المعمول بها حاليًا، العربية منها والغربية، تسمح للأستاذ الجامعي المتخصص في القانون بممارسة المحاماة.
المصدر: القدس العربي.