حين يصبح الوطن أكبر من المسافة

وتغدو الراية وطناً متنقلاً في القلوب

مغاربة العالم بين الوفاء للعرش والإبداع الذي يعانق الإنسانية وتطلعات المشاركة في صناعة مستقبل الوطن

بقلم سعيد ودغيري حسني

ليست كل الهجرات وداعاً، فثمة أوطان لا يغادرها أبناؤها مهما ابتعدت بهم الجغرافيا. يغادرون المطارات، لكن الوطن يظل مقيماً في حقائب الذاكرة، وفي نبض القلب، وفي تفاصيل الحياة اليومية. يستيقظون على مدن العالم، لكنهم ينامون على أسماء فاس، ومراكش، والرباط، والدار البيضاء، وطنجة، وأكادير ووجدة والعيون، والداخلة، مدن لا تغيب عن خرائط أرواحهم، لأنها ليست مجرد أماكن، بل فصول من العمر الأول.

هكذا كتب مغاربة العالم قصة استثنائية لم تكن الهجرة فيها انقطاعاً عن الوطن، بل امتداداً له. حملوا أسماءهم إلى القارات الخمس، لكنهم حملوا معهم أيضاً أخلاق المغرب، وثقافته، وتاريخه ووفاءه للعرش حتى أصبح اسم المغربي مرادفاً للكفاءة والاجتهاد والإبداع في كثير من المؤسسات الدولية والجامعات العالمية ومراكز البحث والشركات الكبرى.

خرج من هذا الوطن علماء أضاءوا المختبرات باكتشافاتهم، وأطباء أعادوا الأمل إلى المرضى، ومهندسون ساهموا في تشييد مدن المستقبل، وباحثون يقودون مشاريع علمية رائدة، ومخترعون سجلوا براءات اختراع بأسماء مغربية، كما خرج فنانون حملوا الثقافة المغربية إلى المسارح العالمية، ورياضيون رفعوا الراية المغربية فوق منصات التتويج ورجال أعمال فتحوا آفاقاً جديدة للاستثمار والتشغيل، فأصبح كل نجاح يحققه مغربي في أقصى الأرض وساماً جديداً يزين صدر الوطن.

ولم يعد إشعاع مغاربة العالم يقتصر على قصص النجاح الفردية بل تحول إلى حضور جماعي في إنتاج المعرفة وصناعة الفكر. فقد أصبحت الكفاءات المغربية بالخارج تؤمن بأن خدمة الوطن لا تكون فقط بالاستثمار أو التحويلات المالية وإنما أيضاً بالمساهمة في بناء المعرفة الإنسانية، والانخراط في معالجة القضايا الكبرى التي تواجه المجتمعات.

ومن أبلغ النماذج على هذا الحضور العلمي الراقي الندوة الدولية التي احتضنتها الجامعة الحرة بأمستردام يومي الثاني عشر والثالث عشر من يونيو ألفين وستة وعشرين، بتنظيم من منظمة مغربية، حول موضوع “الهشاشة بكل أشكالها”. ولم يكن اختيار هذا الموضوع اعتباطياً بل جاء ليعكس وعياً عميقاً بأن الإنسان أصبح اليوم يواجه أشكالاً متعددة من الهشاشة، تتجاوز الفقر المادي إلى هشاشة الصحة النفسية، والتعليم والهجرة والشيخوخة، والتحولات الرقمية، والبيئة والعلاقات الاجتماعية، والذكاء الاصطناعي وكل ما يمس كرامة الإنسان في عالم سريع التحول.

لقد جمعت تلك الندوة أكاديميين وباحثين وخبراء وأطر المجتمع المدني من بلدان متعددة، في صورة مشرقة للدبلوماسية العلمية المغربية، حيث تحول الحوار إلى جسر بين الثقافات، وأصبحت الجامعة فضاءً يلتقي فيه الفكر المغربي بالفكر العالمي، في مساهمة تؤكد أن مغاربة العالم لا يحملون وطنهم في الذاكرة فقط بل يحملونه إلى المختبرات، وقاعات البحث، ومنصات النقاش الدولي ليكون المغرب شريكاً في إنتاج المعرفة وصناعة الحلول.

إنها دبلوماسية هادئة، لا تصنعها البيانات الرسمية وحدها، بل تصنعها العقول والأبحاث، والكتب والابتكار، وهي من أنبل صور الانتماء، لأنها تجعل من العلم لغة للوطن، ومن المعرفة سفيراً جديداً للمغرب بين الأمم.

ولذلك لم يكن غريباً أن تحيط المؤسسة الملكية مغاربة العالم بعناية خاصة، إدراكاً منها بأنهم امتداد طبيعي للوطن، وقوة ناعمة تعزز حضوره في مختلف القارات. فقد ظلت تتابع إنجازاتهم، وتحتفي بكفاءاتهم، وتوشح نخبة منهم بالأوسمة الملكية، في رسالة تؤكد أن المغرب لا ينسى أبناءه، وأن الكفاءة الصادقة تجد دائماً مكانها في ذاكرة الدولة.

ومع هذا الاعتزاز الكبير، يظل سؤال المشاركة الوطنية حاضراً في وجدان عدد واسع من مغاربة العالم. وهو سؤال يطرح اليوم بروح وطنية هادئة، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الوطنية حيث يتطلع كثير من الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج إلى أن تتوسع فضاءات الإسهام في الحياة العامة، وأن تستفيد المؤسسات الوطنية من الخبرات التي راكموها داخل الديمقراطيات العريقة والجامعات الكبرى والمؤسسات الدولية.

ولا يتعلق الأمر بمنافسة الداخل

ولا بالسعي إلى امتيازات خاصة بقدر ما يعبر عن رغبة صادقة في أن يظل المغربي، أينما كان، شريكاً في مسيرة وطنه، ومساهماً في صناعة مستقبله وفق ما يتيحه الدستور، وفي إطار الثوابت الجامعة للمملكة، وتحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.

فالأوطان التي تحسن الإصغاء إلى جميع أبنائها، داخل الحدود وخارجها، هي الأقدر على استثمار كل طاقاتها البشرية، لأن التجربة الدولية التي راكمها مغاربة العالم أصبحت اليوم رصيداً وطنياً ثميناً يمكن أن يشكل قيمة مضافة في مجالات التنمية، والاقتصاد والبحث العلمي، والثقافة والدبلوماسية، وصناعة القرار.

لقد أثبتت التجارب أن الراية المغربية لا ترفرف فقط فوق المؤسسات الرسمية، بل ترفرف أيضاً فوق الجامعات، والمختبرات والمسارح، والملاعب، ومراكز الابتكار كلما وقف مغربي ناجح ليقول للعالم، بالفعل قبل القول، إن هذا الوطن يصنع أبناء قادرين على الإبداع، ومؤمنين بأن النجاح الشخصي لا يكتمل إلا إذا تحول إلى نجاح للوطن.

ولهذا سيظل المغرب أكبر من المسافة، لأن أبناءه كتبوا اسمه في دفاتر العلم، وعلى خشبات الفن وفي ملاعب الرياضة، وفي سجلات الاقتصاد، وفي فضاءات الإنسانية. وسيظل كل مغربي ناجح، أينما كان، قطعة من الوطن تمشي بين الأمم تحمل رايته في القلب قبل اليد، وتردد في صمت جميل: نمضي بعيداً يا وطني، لكننا لا نغادرك أبداً، لأنك البداية إذا بدأ الحلم وأنت النهاية إذا عاد القلب إلى موطنه الأول.