ليس كل من عاش في التاريخ عاش في الذاكرة، وليس كل من ذكرته الكتب بقي أثره في الناس. فقد يمتلئ عصر باسم رجل ثم لا يبقى منه بعد حين شيء، وقد يمر آخر في الدنيا قليل الضجيج، ثم يترك في موضعه من البركة ما يجعل المدينة نفسها شاهدة عليه.
ومن هذا الباب تُقرأ سيرة الفقيه أبي محمد عبد الوهاب السباعي، الوجدي دارًا ووفاة.
لم يصلنا عنه من الكلام ما وصلنا عن كبار المصنفين، ولم تفرد له كتب الطبقات، فيما نعلم، ترجمة تليق بمقامه، غير أن الأخبار المتناثرة والوثائق والذاكرة المحلية ترسم ملامح رجل كان له في وجدة شأن، وكان للعلم والعدالة في حياته نصيب ظاهر.
وفد على المدينة في حدود سنة 746 للهجرة، في زمن المرينيين، وعُرف بالفقه والعدالة، واتصل بدائرة القضاء في عهد قاضي وجدة سيدي إدريس. وهذه الصفة ليست هينة؛ فالعدل يومئذ لم يكن مجرد شاهد يوقع في آخر الوثيقة، بل كان صاحب فقه وأمانة، يعرف أحكام الناس، ويزن الحقوق قبل أن يكتبها، ويدرك أن بين كلمة تكتب في عقد وبيت قد يعمر أو يخرب مسافة ضيقة لا يحسن عبورها إلا من جمع العلم إلى الورع.
وهنا تبدأ دلالة الرجل.
فالفقه الحق ليس كثرة محفوظ، وإنما نور يضبط الحركة حين تضطرب المصالح. والعدالة ليست وظيفة، بل مقام بين الله وعباده. ومن دخل حقوق الناس بغير خوف من الله أفسد وإن حفظ المتون، ومن دخلها بالأمانة أقام من العدل ما قد لا تقيمه الخطب.
ولعل شيئًا من هذا المعنى كان في عبد الوهاب الوجدي.
فقد وقفت منذ أكثر من عشرين سنة بالخزانة العامة بالرباط على تقييد مخطوط جاء فيه ذكر «الفقيه أبي محمد عبد الوهاب الوجدي» في رثاء ابن مرزوق العجيسي المتوفى بالقاهرة سنة 781 للهجرة.
ولم تكن العبارة، في ظاهرها، أكثر من سطر. غير أن بعض السطور أبواب.
فالرثاء ليس مجرد شعر يقال بعد موت رجل، بل قد يكون كشفًا عن منزلة المرثي في قلب الراثي، وعن صحبة أو علم أو مودة عبرت السنين وبقيت آثارها. وإذا صح هذا التقييد على وجهه، فإن عبد الوهاب لم يكن فقيه مدينة منعزلًا عن زمانه، بل كان متصلًا بأفق علمي أوسع، يمتد من وجدة إلى تلمسان وفاس، ثم إلى المشرق.
وكان ابن مرزوق من كبار علماء عصره، فإذا رثاه رجل من وجدة، فذلك وحده يفتح سؤال الصلة بين رجال العلم في تلك المرحلة.
غير أن ما يدهش أكثر ليس خبر الرجل في حياته، بل ما وقع لاسمه بعد وفاته.
تمضي القرون، وتتغير الدول، ويأتي عهد السلطان مولاي إسماعيل، ثم عهد السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام، ثم عهد الملك محمد الخامس، وتبقى في الوثائق إشارات إلى توقير آل سيدي عبد الوهاب الوجدي.
ما الذي يجعل اسمًا يعبر كل هذه الأزمنة؟
ليس السلطان هو الذي يصنع القبول، وإن كتب ظهائر التوقير.
وليس النسب وحده هو الذي يحفظ الهيبة، فقد كثرت الأنساب وانطفأت.
إنما هناك سر آخر يعرفه أهل البصائر: أن الله قد يضع لعبد في الأرض أثرًا بقدر ما كان في قلبه من صدق.
فالشهرة شيء، والقبول شيء آخر.
الشهرة يصنعها الناس وقد يسلبونها، أما القبول فإذا وُضع في القلوب جرى مجرى الماء تحت الأرض؛ قد لا تراه، لكنك ترى خضرته فيما حوله.
ولذلك فإن بعض الرجال لا يحتاجون بعد موتهم إلى من يدافع عنهم. يكفي أن تنظر إلى ما بقي.
اسم على باب.
ذكر في مدينة.
حرمة في ذرية.
وثيقة تعقبها وثيقة.
وقلب باحث، بعد سبعة قرون، يعود يسأل: من كان هذا الرجل؟
وهذا وحده معنى.
لكن الخطأ أن نحول أمثال عبد الوهاب إلى أسطورة، كما أن الخطأ أن نجردهم من روحهم ونحولهم إلى تواريخ جامدة.
إنصاف الرجل أن يوضع حيث كان: فقيهًا، وعدلًا، ورجلًا من أهل العلم، ثم يُترك لما بقي من أثره أن يدل عليه.
فالكرامة الكبرى ليست أن يخالف الإنسان سنن الكون، وإنما أن يستقيم مع أمر الله.
والولاية ليست صخبًا ولا حكايات، بل قد تكون في ميزان عدل لا يميل، وفي شهادة لا تباع، وفي حق يرد إلى صاحبه، وفي علم يمنع صاحبه من الظلم.
ولهذا تحتاج مدننا إلى أن تستعيد علماءها.
لا من أجل الحنين، بل من أجل الميزان.
فمدينة تنسى أهل العلم فيها قد تعرف أسماء أبوابها ولا تعرف لماذا بقيت تلك الأسماء.
وحين نستعيد سيدي عبد الوهاب الوجدي، فإننا نستعيد معه معنى يكاد يغيب: أن العلم إذا لم يزكِّ صاحبه عبء، وأن الفقه إذا لم يثمر عدلًا نقص، وأن الأثر لا يطلب، وإنما يولد من صدق العمل.
فكم من رجل أراد أن يبقى فمحي اسمه، وكم من رجل نسي نفسه فذكره الله في الناس.
وتلك لعلها الحكمة الأبلغ:
أن تعمل لله، ثم تترك لله شأن ذكرك.
وأن تصلح موضعك، ولو لم يعرفك التاريخ.
وأن تعلم أن خير ما يتركه الإنسان ليس ما ينقش على الحجر، بل ما ينقش في ميزان الحق.
فأي علم نريد أن نخلفه لمن بعدنا؟
وأي عدل نريد أن يشهد لنا حين تصمت الألسن؟
وأي أثر نحب أن يبقى، حين لا يبقى منا شيء؟
المصدر : الشعاع الجديد .