رغم أن أطول شجرة معروفة على وجه الأرض لا تزال قائمة وتنمو في إحدى غابات ولاية كاليفورنيا الأمريكية، فإن السلطات المختصة ترفض الكشف عن موقعها الدقيق أو إدراجها على الخرائط السياحية، في خطوة تهدف إلى حمايتها من الأضرار البيئية التي قد يتسبب بها تدفق الزوار.
وتحمل الشجرة اسم “هايبرون” (Hyperion)، وهي من نوع السكويا الساحلية (Coast Redwood)، وتوجد في مكان غير معلن داخل منطقة متنزهات الغابات الحمراء الوطنية شمال ولاية كاليفورنيا.
ووفقا للمعلومات الصادرة عن دائرة المتنزهات الوطنية الأمريكية، فإن محاولات الوصول إلى الشجرة خلال السنوات الماضية أدت بالفعل إلى إلحاق أضرار بالنباتات والتربة المحيطة بها، ما دفع السلطات إلى تشديد إجراءات الحماية والإبقاء على موقعها سريا.
أطول شجرة موثقة على كوكب الأرض
تُعد أشجار السكويا الساحلية الأطول بين جميع أنواع الأشجار المعروفة عالميا، إلا أن شجرة هايبرون تتفوق عليها جميعا.
وبحسب هيئة متنزهات ولاية كاليفورنيا، يبلغ ارتفاع الشجرة نحو 379 قدما (115.5 مترا تقريبا)، ما يجعلها أطول شجرة حية موثقة علميا على سطح الأرض.
ورغم هذا الارتفاع الهائل، يؤكد الخبراء أن الشجرة تتمتع بدرجة عالية من الحساسية البيئية، خلافا للاعتقاد الشائع بأن الأشجار العملاقة تمتلك أنظمة جذرية عميقة وقوية.
جذور سطحية ونظام بيئي هش
تشير الدراسات إلى أن أشجار السكويا الساحلية لا تعتمد على جذور عميقة تمتد إلى باطن الأرض، بل تمتلك شبكة جذور سطحية تنتشر أفقيا عبر مساحات واسعة من التربة.
ويعني ذلك أن سلامة التربة المحيطة بالشجرة تُعد عنصرا أساسيا في بقائها واستمرار نموها، ولذلك فإن أي ضغط ناتج عن حركة أعداد كبيرة من الزوار قد يؤدي إلى تدهور التربة وإضعاف الظروف البيئية اللازمة للحفاظ على الشجرة.
كيف تحولت الشجرة إلى ضحية لشهرتها؟
أوضحت دائرة المتنزهات الوطنية أن العديد من الأشخاص الذين حاولوا العثور على هايبرون غادروا المسارات الرسمية المخصصة للزوار وشقوا طريقهم عبر الغطاء النباتي الكثيف للوصول إلى موقعها.
وأدت هذه المحاولات إلى مجموعة من الأضرار البيئية، من بينها:
تآكل التربة المحيطة بالشجرة.
تدمير النباتات الطبيعية الحساسة.
انضغاط التربة حول الجذع نتيجة كثرة المرور عليها.
إلحاق الضرر بموائل طبيعية لم تُصمم لاستقبال أعداد كبيرة من المتنزهين.
وبسبب هذه التأثيرات، بدأت السلطات في تحذير الزوار من محاولة البحث عن الشجرة أو الوصول إليها.
غابات نادرة عمرها مئات السنين
تقع هايبرون داخل أحد آخر النظم البيئية المتبقية للغابات الحمراء القديمة في العالم.
وكانت غابات السكويا الساحلية تنتشر تاريخيا على نطاق واسع على طول الساحل الشمالي لولاية كاليفورنيا، إلا أن عقودا من قطع الأشجار والتوسع العمراني أدت إلى تراجع مساحاتها بشكل كبير.
وتعمل المتنزهات الوطنية اليوم كمناطق محمية للحفاظ على ما تبقى من هذه الغابات القديمة التي تشكل إرثا بيئيا فريدا على مستوى العالم.
ويشير العلماء إلى أن استمرار هذه الغابات يعتمد على مجموعة من العوامل البيئية الدقيقة، تشمل:
المناخ الرطب.
استقرار التربة.
التوازن الطبيعي للغطاء النباتي.
التركيبة البيولوجية الخاصة للمنطقة.
وأي اضطراب في هذه العناصر قد يؤثر سلبا على قدرة الأشجار العملاقة على البقاء والنمو.
العلماء يحذرون من آثار طويلة الأمد
وقالت عالمة بيئة الغابات ناليني نادكارني، المتخصصة في دراسة النظم البيئية للغابات القديمة، إن هذه البيئات الطبيعية تتشكل ببطء شديد على مدى مئات السنين.
وأشارت إلى أن أي ضرر يلحق بها قد يؤدي إلى تغييرات دائمة في النظام البيئي، لافتة إلى أن استعادة التوازن الطبيعي في مثل هذه الغابات تحتاج إلى فترات زمنية طويلة للغاية مقارنة بسرعة حدوث التدهور.
وسائل التواصل الاجتماعي تزيد الضغوط
وترى الجهات المعنية أن انتشار المعلومات عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ساهم في تفاقم المشكلة.
فبمجرد تحول موقع طبيعي ما إلى وجهة شهيرة على الشبكات الاجتماعية، يتدفق إليه أعداد كبيرة من الزوار خلال فترة قصيرة، وهو ما يُعرف بظاهرة “السياحة المفرطة”.
وتوصلت دراسات أكاديمية تناولت هذه الظاهرة إلى أن النظم البيئية الحساسة غالبا ما تعجز عن تحمل الزيادات المفاجئة في أعداد الزائرين، بينما تستغرق عمليات التعافي البيئي وقتا أطول بكثير من الوقت الذي يحدث فيه الضرر.
لماذا تجذب هايبرون كل هذا الاهتمام؟
يرجع الاهتمام العالمي بالشجرة إلى كونها صاحبة الرقم القياسي العالمي في الارتفاع بين جميع الأشجار الحية المعروفة.
إلا أن جاذبيتها لا تقتصر على أرقامها القياسية فقط، بل تكمن أيضا في المفارقة التي تمثلها، فالشجرة التي ترتفع أكثر من 115 مترا فوق سطح الأرض وتعيش منذ مئات السنين، لا تزال تعتمد على نظام بيئي بالغ الهشاشة يمكن أن يتضرر بسهولة بسبب النشاط البشري.
حماية التاريخ الطبيعي
ويؤكد مسؤولو المتنزهات أن قرار إخفاء موقع هايبرون لا يهدف إلى منع الناس من الاستمتاع بالطبيعة، خاصة أن غابات كاليفورنيا تضم العديد من أشجار السكويا العملاقة الأخرى المفتوحة للزيارة.
لكن الحفاظ على الموقع الدقيق لأطول شجرة في العالم يظل، من وجهة نظرهم، ضرورة بيئية لحمايتها من الضغوط البشرية المتزايدة.
وفي ظل التهديدات التي تواجه النظم البيئية الحساسة حول العالم، يرى الخبراء أن حماية هايبرون لا تتعلق بشجرة واحدة فحسب، بل بالحفاظ على جزء نادر من التاريخ الطبيعي الحي، وهو ما يجعل بقاء موقعها طي الكتمان أحد أهم إجراءات الحماية البيئية المعمول بها اليوم.
المصدر:البيان .