بقلم: سعيد ودغيري حسني
اليوم في الرباط تتجه الأنظار نحو واحة فجيج حيث تعقد التنسيقية المحلية للترافع عن قضايا المدينة بشراكة مع الائتلاف الوطني لدعم حراك الماء ندوة صحفية تحمل إلى قلب العاصمة صوت العيون القديمة وهمس السواقي وقلق الواحة على مستقبل موردها الأثمن.
ليست الندوة مجرد موعد إعلامي عابر بل محطة جديدة في مسار نقاش وطني يتجاوز حدود الجغرافيا ليطرح أسئلة عميقة حول تدبير الماء وحماية الخصوصيات المحلية وإمكانية التوفيق بين متطلبات التحديث وصون الإرث الجماعي.
ففي أقصى الشرق المغربي حيث تتعانق الجبال مع الصحراء وتنساب ظلال النخيل على إيقاع الفصول تقف فجيج شامخة كقصيدة من ماء ونور. واحة لم تصنعها الطبيعة وحدها بل شاركت في بنائها أيدي الرجال والنساء الذين أدركوا منذ قرون أن الماء ليس موردًا عابرًا بل عهدًا بين الإنسان والأرض.
هنا لا يجري الماء في السواقي وحدها بل يسري في الذاكرة الجماعية وفي حكايات البيوت العتيقة وفي تفاصيل الحياة اليومية. هنا يصبح الماء لغة يتحدث بها الناس وإرثًا تتناقله الأجيال وأمانة تحفظها القلوب قبل السجلات.
منذ قرون طويلة نسجت فجيج علاقتها بالماء بعناية الحكمة وصبر الزمن. عيون تتدفق من باطن الأرض وسواقي تشق طريقها بين القصور السبعة وأعراف محلية دقيقة تنظم التوزيع وتحفظ التوازن وتضمن استمرارية الحياة في بيئة تعرف قسوة المناخ وندرة الموارد.
ولم تكن هذه المنظومة مجرد آلية لتدبير الماء بل شكلت ركيزة للعيش المشترك ومدرسة في التضامن وتجربة إنسانية متفردة استطاعت أن تحول الندرة إلى وفرة وأن تجعل من التحديات بابًا للإبداع والبقاء.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يرتبط اسم فجيج بالماء كما يرتبط النخيل بظله وكما ترتبط الواحة بذاكرتها. فالماء هنا ليس مجرد خدمة عمومية بل جزء من هوية المكان وروح الإنسان.
غير أن السنوات الأخيرة حملت معها أسئلة جديدة فرضتها تحولات العصر وتسارع التغيرات المناخية وتزايد الضغوط على الموارد المائية.
فمع اعتماد نموذج الشركات الجهوية متعددة الخدمات في إطار إصلاح وطني يروم تطوير الحكامة وتحسين جودة الخدمات وتعزيز الاستثمار برز نقاش واسع حول الكيفية الأنسب لتدبير الماء في الواحات المغربية.
وتؤكد الجهات الرسمية أن هذا النموذج يهدف إلى توحيد الجهود وتحديث البنيات التحتية ورفع جودة الخدمات ومواجهة التحديات المرتبطة بالإجهاد المائي بما يضمن استدامة الموارد وتحقيق العدالة المجالية.
وفي المقابل يعبر جزء من ساكنة فجيج عن تخوفات مرتبطة بالحفاظ على خصوصية الواحة وصون منظومتها التقليدية التي شكلت عبر الزمن أساس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والبيئي.
فبالنسبة إلى أبناء الواحة لا يتعلق الأمر برفض التطوير أو الوقوف في وجه التحديث بقدر ما يرتبط بالبحث عن ضمانات تحفظ الذاكرة الجماعية وتصون حق الأجيال القادمة في الاستفادة من إرث مائي تشكل عبر قرون من التعايش بين الإنسان والطبيعة.
ومن هذا التفاعل بين رؤيتين مختلفتين ولد ما يعرف بحراك الماء بفجيج وهو حراك مدني واجتماعي فتح نقاشًا يتجاوز حدود المدينة ليطرح أسئلة أعمق حول معنى التنمية وحدود النماذج الموحدة وإمكانية بناء سياسات عمومية تراعي الخصوصيات المحلية.
لقد تحولت فجيج إلى فضاء للنقاش الهادئ والمسؤول حول كيفية الجمع بين الحكامة الحديثة والحكمة المتوارثة وبين ضرورات الإصلاح ومتطلبات الحفاظ على الهوية.
ولعل ما يمنح هذا النقاش أهميته هو أنه يأتي في زمن أصبح فيه الماء أحد أكبر تحديات القرن الحادي والعشرين. فالتغيرات المناخية وتوالي سنوات الجفاف وتزايد الطلب على الموارد المائية تفرض على الجميع البحث عن حلول مبتكرة ومستدامة.
وفي هذا السياق تأتي ندوة الرباط لتشكل محطة جديدة في مسار الحوار حيث يسعى منظموها إلى عرض مستجدات الملف وتقديم مذكرة ترافعية تتضمن مقترحات ورؤى تدعو إلى إيجاد حلول توافقية تستجيب لتحديات الحاضر وتحترم خصوصية الواحة.
إن جوهر القضية لا يكمن في الاختيار بين الماضي والمستقبل ولا بين الأصالة والتحديث بل في بناء جسر متين يصل بينهما ويجعل من التنمية امتدادًا للذاكرة لا قطيعة معها.
فجيج ليست مجرد واحة تحيط بها الرمال وليست مجرد نقطة على خريطة الشرق المغربي. إنها حكاية شعب استطاع أن يصنع من الماء حضارة ومن الصبر قوة ومن التضامن أسلوب حياة.
هي ذاكرة حية تنبض في العيون والسواقي وفي وجوه الرجال والنساء الذين حملوا إرث الأجداد وحافظوا عليه جيلاً بعد جيل.
وفي زمن تتغير فيه الأشياء بسرعة تظل فجيج وفية لجوهرها ومنفتحة على المستقبل مؤمنة بأن الحوار وحده قادر على صنع التوافق وأن الحكمة قادرة على إيجاد الطريق الذي يجمع ولا يفرق.
ويبقى الأمل معقودًا على أن تظل العيون متدفقة وأن يبقى النخيل شامخًا وأن تواصل الواحة كتابة أنشودتها الخاصة حيث يلتقي صوت الأرض بنداء المستقبل وحيث يصبح الماء جسرًا يصل بين إرث الأجداد وأحلام الغد.
ففي فجيج لا يحرس الناس الماء وحده بل يحرسون ذاكرتهم ويحفظون جزءًا من روح المغرب العميقة التي تعلمت عبر القرون كيف تجعل من كل قطرة حياة ومن كل واحة قصيدة لا تنتهي.