قصر “إيش”.. تاريخ يسبق الجزائر وحدود تعود إلى الواجهة

“قصر إيش أقدم من دولة الجزائر”، لم ينطق موحى وطرونت، من أعيان المنطقة،  بهذه العبارة لـ”تيلكيل عربي” كمن يتفوه بكلمات سياسية، بل كمن يستدعي تاريخا يسكنه وكرامة أرض احتضنت ثوارا جزائريين ضد المستعمر الفرنسي، آوتهم وأطعمتهم وداوت جرحاهم، لذلك لم يستسغ “الإيشيون” استفزازات عناصر من الجيش الجزائري في أرض كانت، بالأمس، سندا لهم في زمن المحنة.

صباح 4 فبراير.. علامات غامضة

يستعيد علال النعيمي، عضو لجنة مواكبة أحداث إيش والمستشار بجماعة بني كيل، تفاصيل صباح يوم الرابع من فبراير الجاري، بصوت لا يخلو من توتر الذاكرة، وكأن المشهد ما يزال قائما أمامه، استفاق السكان في الساعات الأولى على “حركة غير عادية للجيش الجزائري”.

لم يكن الأمر، كما يرويه، مجرد تحرك عابر على خط حدودي، بل عملية واضحة المعالم، عدد العناصر كان، بحسبه، “ما بين 30 و40 جنديا، مدججين ببعض الأسلحة”، يحملون معدات قياس، وأكياسا، ومواد للصباغة.

تفاصيل دقيقة، يحكيها في لقاء له مع “تيلكيل عربي”،  ليوضح أن ما جرى لم يكن دورية روتينية،  كانوا يجمعون الحجارة ويضعونها داخل أكياس، ثم يقومون بطلائها باللون الأبيض قصد تثبيت علامات ميدانية”، المشهد، كما يصفه، خلف “حالة من الصدمة والذهول” في صفوف السكان، في تلك اللحظات الأولى، لم تستوعب الأسر ما يحدث داخل مجال تعرفه شبرا شبرا.

اقترب بعض الشباب من أراضيهم، قبل أن تتدخل القوات المسلحة الملكية في محيط المكان،  وفي سياق حديثه عن تلك اللحظات، يضيف النعيمي “هذه ليست أرضا خالية أو مهجورة، بل “جنانات” وبساتين في ملك واستغلال الساكنة منذ سنوات طويلة”، مستحضرا مثالا على ذلك بالإشارة إلى أن أحد المالكين كان، قبل أسبوع فقط من الحادث، يباشر العناية بأشجاره من زيتون ونخيل، “وتوجد صور حديثة توثق لذلك”، يضيف عضو لجنة مواكبة أحداث “إيش”.

إيشيون.. وفاء للوصية 

يقع قصر إيش على بعد 108 كيلومترات من مدينة بوعرفة، على الحدود المغربية الجزائرية، قرية ضاربة في عمق التاريخ، يعود وجودها إلى ما يزيد عن تسعة قرون، حين استقر بها الشرفاء الأدارسة الذين فروا طلبا للنجاة من بطش ابن أبي عافية، المعروف تاريخيا بـ”بوعافية”، خلال القرن التاسع.

وهي ليست مجرد نقطة جغرافية على الخريطة، بل مجالا عاش تحولات الدولة والحدود والحروب، فبعد استقلال الجزائر، لم تضع الحرب أوزارها تماما في ذاكرة المكان، إذ احتلت الجزائر القرية لمدة ستة أشهر خلال حرب الرمال سنة 1963.

باءت محاولات الاستعمار الفرنسي لضم إيش إلى الجزائر بالفشل، رغم ما تعرضت له القرية من قصف وضغط خلال مرحلة الاحتلال، فقد دفعت طائرات المستعمر سكانها إلى النزوح نحو مدينة بوعرفة، بعدما استهدفت القرية التي كانت، آنذاك، بمثابة حضن للمقاومة الجزائرية، تؤوي الثوار وتؤمن لهم الإيواء والمؤونة ومداواة الجرحى.

وفي استحضار لتلك المرحلة، يردد أحد أبناء المنطقة “إذا كان سكان قرية “إيش” أجبروا على الهجرة إلى مدينة بوعرفة، أثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر بعدما قصفت طائرات المستعمر القرية التي كانت بمثابة حضن للمقاومة الجزائرية، تنفيذا لوصية الملك الراحل محمد الخامس، الذي اعتبر أن استقلال المغرب رهين باستقلال الجزائر، فالذين تبقوا من تلك المرحلة لن يرحلوا عن “إيش”.

بالنسبة للسكان، لم يكن البقاء مجرد خيار عادي، بل موقفا أخلاقيا وتاريخيا، فهم يعتبرون أن تمسكهم بأرضهم هو وفاء لوصية قائدهم حرمة بن محمد بن علي، التي كتبها سنة 1930، وما جاء فيها: “إياكم أن تتبعوا الاستعمار الفرنسي القاطن بالقطر الجزائري وربما يغرنكم فتتبعوه ويضم البلاد إلى الجزائر”، قبل أن يختم بالقول: “نحن الشرفاء أهل “إيش” مغاربة أحرار وسنبقى مغاربة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وكونوا دائما من جملة الشعب المغربي الوفي للمملكة من قرية “إيش” إلى الساقية الحمراء”، هكذا تحولت الوصية إلى مرجعية معنوية، وإلى عهد تتناقله الأجيال، ترى فيه الساكنة تأكيدا لهويتها وتمسكها بأرض تعتبرها جزءا من كيانها، لا مجرد مساحة جغرافية.

حراس الحدود 

بعدما جرى، يؤكد علال النعيمي، عضو لجنة مواكبة أحداث إيش ومستشار جماعي بجماعة بني كيل، أن الساكنة لم تقف موقف المتفرج، بل بادرت إلى تشكيل لجنة لمواكبة الأحداث والدخول في حوار مع المسؤولين من أجل طمأنة السكان وتوضيح ما وقع.

ويشير النعيمي إلى أن السلطات المحلية والإقليمية أفادت بأن الملف ذو طابع سيادي، وأن تدبيره من اختصاص المؤسسة العسكرية، وفي غياب أي توضيح رسمي عن تفاصيل دقيقة لما جرى، وهو ما زاد، في نظره، من حيرة المواطنين، الذين وجدوا أنفسهم بين الترقب والخوف على مصدر رزقهم ولم يعرفوا هل يمكنهم ولوج بساتينهم بشكل عادي أم لا.

وأضاف أن العلامات التي وضعت في الميدان لم تكن بعيدة عن البساتين، بل جرى تثبيتها داخل محيط أراض فلاحية مزروعة بأشجار الزيتون وغيرها.

وبحسب النعيمي، فإن الساكنة لا تنظر إلى أن الأرض ليست مجرد عقار، بل إرث متوارث جيلا بعد جيل، فقد تضم قطعة أرض واحدة عشرات الورثة، يتقاسمون نخلا أو أشجار زيتون ورثوها عن أجدادهم، وتشكل مورد عيشهم الأساسي.

كما يستحضر النعيمي السياق التاريخي الذي يؤطر حساسية الملف، مذكرا بمرحلة ما بعد الاستقلال وحرب الرمال سنة 1963، وما أعقبها من اتفاقيات ترسيم الحدود، خاصة اتفاقية 1972، معتبرا أن بعض التأويلات المرتبطة بعبارة “قمم الجبال المحيطة بإيش” كانت محل خلاف في تحديد مسار الخط الحدودي.

ويضيف المستشار الجماعي أن الساكنة لا تطالب بامتيازات، بل بحق تعتبره ثابتا وتاريخيا، وأنها كانت دوما في موقع حراسة الحدود، معتبرة أن الأرض جزء من كيانها وهويتها.

تضامن وسيادة 

وفي مقابل هذا التوتر، يوضح النعيمي أن مبادرات تضامنية برزت من خارج المنطقة، حيث جرى الإعداد لقافلة تنطلق من مدينة وجدة مرورا ببوعرفة في اتجاه إيش، غير أن السلطات الإقليمية طلبت تأجيلها إلى حين عقد لقاء مع عامل الإقليم، قصد مناقشة سبل معالجة الوضع في إطار رسمي، ويشير إلى أن هذا اللقاء تم بالفعل، والذي خلص إلى أن الملف من اختصاص مؤسسات أخرى يتجاوز عمالة نطاق الإقليم والذي أوضح لهم أن كل جهة تقوم بما يلزم في إطار اختصاصاتها.

حملات التضامن كانت كبيرة، وفي هذا السياق،  قال عبد القادر البياضي، الفاعل الجمعوي والكساب والقاطن بمنطقة حاسي الدفلة المتاخمة للحدود، إن “قبائل العمور المتاخمة للحدود، أعيانا وشيوخا وشبابا وهيئات مجتمع مدني، تعلن تضامنها المبدئي واللامشروط مع أهالينا بقصر إيش في زحف الجيش الجزائري على أراضيهم الفلاحية وهي مورد عيشهم.

وأضاف أن ارتباطهم التاريخي يتجلى في التاريخ المشترك والتصدي للمستعمر الغاشم ودفاعهم المستميت وارتباطهم الوثيق بأراضيهم ووطنيتهم، وتقاليدهم وأعرافهم، وتبادل الزيارات الموسمية أثناء الزواج والمناسبات الأخرى، وكذا ارتباطات اقتصادية حيث كان أهالي إيش يزودون قبائل العمور بالخضر والفواكه والتمور، بالمقابل الصوف والألبان والسمن، وتجمعهم صداقات طائلة مع كبارهم في تبادل الزيارات والهدايا.

وأشار البياضي، في تصريح لـ”تيلكيل عربي” إلى أن التاريخ يعيد نفسه في الروابط وخصوصا علاقتهم بالأرض وتشبثهم بوطنيتهم، وأن قبائل العمور المتاخمة للحدود بكل مكوناتها تقدم تضامنها ويد العون لأهالي قصر إيش بشتى الوسائل المتاحة لإنصافهم.

القانون والإنسان

يرى محمد طلحة، الباحث وابن منطقة إيش، أن ملف الحدود المغربية الجزائرية يقدم في الخطاب السياسي والإعلامي السائد باعتباره ملفا “محسوما قانونيا” ومغلقا نهائيا باتفاقيات دولية تحظى بالاعتراف الأممي. غير أن العودة، بهدوء، إلى المسار التاريخي والقانوني الذي تشكل عبره هذا التحديد تكشف، في نظره، أن الأمر أعقد من هذا التوصيف المبسط.

فالحسم القانوني، كما يشير، لا يعني بالضرورة سلامة الأساس الذي بني عليه، ولا عدالة تنزيله ميدانيا، خاصة في المناطق الحدودية التي تحمل ثقل التاريخ ومصالح الإنسان.

ويعيد طلحة، في تصريح لـ”تيلكيل عربي”، جذور الإشكال إلى ما قبل سنة 1830، حين لم تكن هناك حدود مغلقة أو مرسومة بخطوط هندسية كما نعرفها اليوم، بل مجالات نفوذ وسيادة مرنة بين السلطنة المغربية والإيالة الجزائرية التابعة للدولة العثمانية، حيث كان النفوذ المغربي يمتد شرقا وجنوبا ليشمل واحات ومجالات صحراوية من فجيج وإيش إلى ما بعد تندوف.

ويعتبر أن الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830 شكل نقطة التحول الكبرى، إذ فرض اتفاق طنجة ثم اتفاقية لالة مغنية سنة 1845، التي كثيرا ما تقدم باعتبارها اتفاقا مغربيا جزائريا، في حين أنها كانت اتفاقية بين المغرب وفرنسا.

 ويشير إلى أن هذه الاتفاقية لم ترسم الحدود بشكل كامل بل قسمت نتائجها إلى مقاطع من البحر المتوسط إلى ثنية الساسي حيث أبقي على الحدود العثمانية السابقة، ثم مقطع يمتد لنحو 250 كيلومترا جنوبا لم ترسم فيه الحدود بل قسمت القبائل والواحات فكانت إيش وفجيج للمغرب مقابل ست مناطق ألحقتها فرنسا بمستعمرتها، ثم مناطق صحراوية جنوبية لم ترسم وبقيت تحت نفوذ السلطان المغربي.

أما الاتفاقيات اللاحقة بين 1901 و1910 فلم تلغ هذا الوضع، يضيف الباحث، بل جاءت لتفصيل بعض الجوانب العملية خصوصا ما يتعلق بمصادر عيش الساكنة والواحات والمراعي، بل وأعادت منطقة المنكوب إلى المغرب.

وبعد استقلال الجزائر سنة 1962، انتقل الملف، بحسب طلحة، من إرث استعماري إلى موضوع تفاوض بين دولتين مستقلتين، توج باتفاقية سنة 1972 المعروفة باتفاقية حسن الجوار، التي تشكل حجر الزاوية في الخطاب الرسمي حول حسم ملف الحدود.

غير أنه يلفت إلى أن اتفاقية 1972، رغم نصها على أن الترسيم حاسم ونهائي، أحدثت لجنة ميدانية مشتركة مغربية جزائرية للنزول إلى الميدان ووضع العلامات وإعداد الخرائط، ما يعني أن الحسم القانوني كان مشروطا بعمل ميداني مشترك لا بمجرد التوقيع.

كما يشير إلى أن الاتفاقية تضمنت بندا احتياطيا يتيح للطرف الآخر المبادرة إلى الترسيم في حال غياب أحد الطرفين، وهو ما تم في سياق إشكالي، إذ باشر الجانب الجزائري الترسيم بشكل أحادي.

ويضيف طلحة أن الترسيم اعتمد على خرائط أنجزتها الإدارة الفرنسية سنة 1956، وهي خرائط مصورة جوا وغير مكتملة ميدانيا، ومكتوب عليها أنها ممنوعة من إعادة الإنتاج، وهو ما يطرح، في نظره، تساؤلات تقنية وقانونية، خصوصا في مناطق واحية وزراعية معقدة كقصر إيش.

كما يعتبر أن النصوص المرجعية تعتمد توصيفات عامة لا يمكن تنزيلها آليا دون إشراك فعلي للساكنة المحلية التي تشكل الذاكرة الحية للمجال، وتعرف حدود الاستغلال الفلاحي ومصادر العيش التي استقرت عبر قرون.

ويشير طلحة إلى أن ملف الحدود أغلق قانونيا، لكنه ظل مفتوحا تاريخيا وتقنيا وإنسانيا، وأن جوهر النقاش ينبغي أن يكون بعيدا عن الشعارات، وقريبا من التاريخ والقانون والإنسان.

أرض دولة.. كرامة وهوية

هذا البعد الإنساني يتجسد في تصريح موحى وطرونت، الذي روى كيف دخلت عناصر من الجيش الجزائري إلى المنطقة واقتحمت ضيعة كانت في إطار شراكة بين شخصين، وتضم أشجار زيتون ونخيل، وهي مستغلة منذ قرون، بل منذ ما قبل قيام الدولة الجزائرية سنة 1962. فالواحة موجودة هناك منذ أزمنة متعددة ومعروفة تاريخيا”.

ويضيف هذا الرجل السبعيني، في تصريح لـ”تيلكيل عربي”، أن العملية لم تقتصر على إزالة الأسلاك المحيطة، بل شملت أيضا تدمير ضريح داخل الجنان هو ضريح سيدي إبراهيم بن محمد، جد صاحب الضيعة، والمدفون هناك منذ أجيال.

ويرى  أن ما جرى لا يتعلق فقط بخسارة أرض، لأن الأرض “ليست مجرد ملكية، بل جزءا من الكرامة والهوية”، مضيفا أن عدد المتضررين “يتجاوز أصحاب الضيعة المباشرين، لأن الأمر يمس القبيلة بأكملها، وينظر إليه على أنه اقتطاع من أرض الدولة نفسها”.

وبصوت لا يخفي مرارة التجربة، يضيف “الأمر مؤلم، لكن ماذا يمكنني أن أفعل؟ لو كان الأمر بيني وبين شخص عادي لتصرفت معه بما يقتضيه الموقف، لكن حين يتعلق الأمر بمؤسسة عسكرية، فالأمر يتجاوزني كفرد، لأن القضية انتقلت إلى مستوى الدولة قبل أن تمسني شخصيا”.

ويستحضر هذا الرجل سياقا أوسع، قائلا إن “هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها اقتطاع أراض في المنطقة، ففي سنة 1975، تم اقتطاع جزء من واد كان مزروعا بالنخيل والآن عادت القوات لتقتطع هذه الضيعة أيضا”.

لم تقف الأحداث عند يوم 4 فبراير. لم يكن ذلك التاريخ سوى بداية فصل جديد من التوتر، إذ واصلت عناصر من الجيش الجزائري استفزازات متكررة، من إطلاق النار في الهواء إلى إحراق النخيل.

وسط هذا المشهد، تعود واقعة العرجة إلى اليوم في قصر إيش،  كيف يمكن لملف يوصف بأنه محسوم استراتيجيا أن يظل مفتوحا في وجدان الساكنة؟ هنا يتقاطع السيادي بالإنساني في أكثر صوره حساسية، فالدولة تقرأ الحدود باعتبارها شأنا استراتيجيا يرتبط بالسيادة، بينما يقرؤها الفلاح باعتبارها نخلة تحترق، وساقية ماء، وقطعة أرض ورثها عن أجداده.

قصر إيش ليست مجرد نقطة على الخريطة، بل ذاكرة ممتدة، وهوية متجذرة، وسكان يرون في الأرض عنوان انتمائهم الوطني قبل أن تكون موردا اقتصاديا، وبين خطاب الاتفاقيات ولغة الخرائط، يقف هؤلاء المواطنون على تماس مباشر مع معنى السيادة في بعدها اليومي، ينتظرون توضيحا رسميا يطمئنهم ويعيد الاعتبار لأرض ظلت جزءا حيا من نبض الوطن.

السمات ذات صلة

TELQUEL