«كرامة المواطن» و467 إجراء.. هل يملك حزب العدالة والتنمية أرقاما كافية لإقناع الناخب في 2026؟

يضع حزب العدالة والتنمية «كرامة المواطن» في قلب برنامجه الانتخابي لسنة 2026، باعتبارها المدخل الأساسي لبناء مجتمع أكثر عدلا وتماسكا. ويربط الحزب تحقيق هذه الكرامة بأربعة حقوق يعتبرها أساسية في حياة المغاربة: تعليم جيد، وتغطية صحية فعلية، وشغل لائق، والعيش داخل مجتمع تسوده قيم التضامن والتكافل.
البرنامج لا يكتفي بالجانب الاجتماعي، بل يقدم أيضا تصورا للإصلاح السياسي والديمقراطي، مع التشديد على محاربة الفساد وتعزيز الحكامة، إلى جانب رؤية اقتصادية تضع التشغيل والإنتاج الوطني في صدارة الأولويات. كما يحافظ الحزب على توجه محافظ في عدد من القضايا المرتبطة بالهوية والأسرة، بالتوازي مع مواقف واضحة في السياسة الخارجية، خصوصا تجاه قضية الصحراء المغربية والقضية الفلسطينية.


وعند قراءة البرنامج ككل، يبدو واضحا أن العدالة والتنمية اختار بناء عرضه الانتخابي على كثافة الإجراءات، أكثر من كثافة الأهداف الرقمية النهائية. فالبرنامج يقدم 467 إجراء موزعة على مختلف القطاعات، لكنها لا تحدد، في نسختها المعروضة، عددا من المؤشرات الكبرى التي عادة ما تسمح للناخب أو للباحث بتقييم مدى قابلية البرنامج للقياس والتنفيذ. من قبيل نسبة النمو المستهدفة، أو عدد مناصب الشغل التي سيتم إحداثها، أو عدد المدارس والمستشفيات المزمع بناؤها، أو حجم الاستثمار العمومي الذي يتطلبه تنفيذ هذه الالتزامات. وهنا تبرز المفارقة الأساسية في البرنامج، فهو غني بالأرقام عندما يتعلق الأمر بتشخيص الوضع الحالي، لكنه أقل تحديدا عندما ينتقل إلى رسم النتائج الكمية التي يريد تحقيقها في المستقبل.
وبالتالي، يمكن تقييم البرنامج من الناحية السياسية إلى حد كبير من خلال طبيعة الإجراءات التي يقترحها والحلول التي يقدمها، غير أن تقييمه من الزاويتين التقنية والمالية يظل أكثر صعوبة، في ظل محدودية المؤشرات الرقمية المرتبطة بالنتائج النهائية والموارد المالية اللازمة لتنفيذ مختلف الالتزامات.

وبين «كرامة المواطن» باعتبارها الشعار المركزي، و467 إجراء موزعة على خمسة محاور، يطرح حزب العدالة والتنمية برنامجه الانتخابي لسنة 2026 باعتباره تصورا للإصلاح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. غير أن الاختبار الحقيقي لأي برنامج انتخابي لا يتوقف فقط عند عدد الوعود أو الإجراءات، بل يبدأ أساسا من سؤال أكثر مباشرة: ما الذي يمكن تحقيقه فعليا، وفي أي مدة، وبأي تكلفة، وكيف يمكن قياس النتائج أمام المواطن؟
غير أن قراءة البرنامج تكشف في المقابل عن ملاحظة أساسية، تتمثل في أن الحزب ركز بدرجة أكبر على الإجراءات والسياسات العمومية، مقارنة بتحديد أهداف رقمية دقيقة يمكن قياسها مستقبلا. بدل من ذلك اختار حزب “المصباح” الانطلاق من تشخيصه للوضع الحالي، حيث اعتمد في برنامجه على مجموعة من الأرقام التي يعتبرها الحزب مؤشرات على حجم الاختلالات التي تواجه البلاد. ويشير البرنامج إلى وجود نحو 1.6 مليون عاطل عن العمل سنة 2025، فيما تجاوزت نسبة البطالة في صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة عتبة 37 في المائة. كما يلفت إلى أن شابا واحدا من أصل كل ثلاثة شباب، ضمن الفئة العمرية بين 15 و29 سنة، يوجد خارج سوق العمل وخارج الدراسة والتكوين.

وفي ما يتعلق بالتشغيل، يسجل الحزب إحداث حوالي 94 ألف منصب شغل فقط خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2025، مقابل التزام حكومي سابق بإحداث مليون منصب شغل.


كما يشير البرنامج إلى أن معدل نشاط النساء لم يتجاوز 19 في المائة سنة 2025، في الوقت الذي كان فيه هدف حكومي معلن سابقا هو بلوغ نسبة 30 في المائة. أما في قطاع الصحة والحماية الاجتماعية، فيتحدث الحزب عن أكثر من 8 ملايين مغربي يعتبر أنهم ظلوا خارج التغطية الصحية، وفق التشخيص الذي اعتمده في برنامجه، بينما يسجل على المستوى المالي ارتفاع دين الخزينة بحوالي 315 مليار درهم خلال الولاية الحكومية الحالية.

وبعيدا عن أرقام التشخيص، يقدم حزب العدالة والتنمية برنامجا واسعا من حيث عدد الإجراءات المقترحة، فالبرنامج يتضمن 467 إجراء موزعة على خمسة محاور رئيسية، يتصدرها المحور الاجتماعي ب200 إجراء، بما يشمله من قضايا التعليم والصحة والحماية الاجتماعية. ويأتي المحور الاقتصادي في المرتبة الثانية ب106 إجراءات، يليه محور الإصلاح السياسي والديمقراطي ب87 إجراء، ثم محور الهوية والأسرة ب43 إجراء، فيما خصص البرنامج للسياسة الخارجية 31 إجراء وفي قطاع التعليم، يقترح الحزب رفع تمويل البحث العلمي بشكل تدريجي إلى حدود 1.5 في المائة من الناتج الداخلي الخام، إلى جانب إنشاء قطب جامعي مندمج واحد على الأقل في كل جهة من جهات المملكة.


كما يتعهد بمعالجة وضعية أكثر من مليون تلميذ يقول إنهم أقصوا من الاستفادة من الدعم الاستثنائي للدخول المدرسي، بعدما كانوا ضمن المستفيدين من برنامج «مليون محفظة» وفي الجانب المرتبط باللغات، يقترح البرنامج اعتماد التناوب اللغوي في تدريس بعض المواد العلمية والتقنية، على ألا تتجاوز نسبة هذا التناوب 30 في المائة من الحصص المخصصة لهذه المواد.

أما في مجال الصحة والحماية الاجتماعية، فيضع الحزب ضمن أولوياته إعادة إدماج أكثر من 8 ملايين مستفيد سابق من نظام «راميد» في منظومة التغطية الصحية، إضافة إلى معالجة وضعية أكثر من 54 ألف أرملة يقول البرنامج إنهن أقصين من برامج الدعم الاجتماعي المباشر.


كما يقترح تخصيص دعم إضافي للأشخاص في وضعية إعاقة، على أن يراعي هذا الدعم درجة الإعاقة اقتصاديا. يتضمن البرنامج مجموعة من المقترحات ذات الطابع الجبائي والتنظيمي ومن بين أبرزها فرض ضريبة بنسبة 40 في المائة على الشركات التي تنشط في قطاعات ذات وضعيات احتكارية أو شبه احتكارية، مع الإشارة إلى قطاعات من قبيل المحروقات والاتصالات والإسمنت. كما يقترح إعادة نسبة الضريبة على الشركات الصغرى جدا والصغرى إلى 10 في المائة بالنسبة للمقاولات التي لا يتجاوز ربحها السنوي 300 ألف درهم. وفي محاولة لإعطاء تعريف أكثر وضوحا للمقاولات الصغيرة جدا، يقترح البرنامج اعتماد مفهوم «المقاولة المتناهية الصغرى» بالنسبة للمقاولات التي لا يتجاوز رقم معاملاتها ثلاثة ملايين درهم.
المصدر: 20 دقيقة: مشيور مولود