في شهادة تاريخية نادرة تتفجر منها الحقائق كما تتفجر الشرارة الأولى في لحظة تغيير مصيري، يخرج رجل الأمن السابق مولاي أحمد أفقير من صمت السنين ليروي قصة برقية لم تكن مجرد رسالة رسمية، بل كانت ومضة قدر أعادت رسم خريطة المنطقة وأشعلت فتيل واحدة من أعظم ملاحم القرن العشرين: المسيرة الخضراء.
كانت البرقية التي وصلت إلى يد الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه تحمل بين سطورها ما هو أخطر من الكلمات… كانت تحمل رائحة التربص، وأنفاس الكراهية الدفينة لدى النظام الجزائري تجاه المملكة، وتكشف نوايا تحركات غامضة على الحدود، جعلت الملك يقرأ الوضع بعيون رجل دولة يرى أبعد مما يراه الجميع.
وبحسب رواية مولاي أحمد أفقير، فإن هذه البرقية التي صاغها بضمير يقظ وحس وطني لا يهدأ، كانت الجرس الذي دق في القصر. فهم الملك الراحل الرسالة، وأخذها بجدية كاملة، وكأنه كان ينتظر تلك الإشارة الحاسمة ليبدأ التحول الكبير. ومن هنا بدأت ملامح الفكرة الجبارة تتشكل: استرجاع الصحراء المغربية بطريقة سلمية، حضارية، وبإجماع شعب لا ينحني.
وهكذا تحولت برقية أمنية بسيطة إلى قرار سيادي خارق، وإلى لحظة ميلاد المسيرة الخضراء المظفرة التي لقنت العالم درساً في الوطنية، والوحدة، وحكمة القيادة.
إن قصة مولاي أحمد أفقير ليست مجرد ذكرى… إنها حجر من أحجار التاريخ، وشهادة تؤكد أن الأدوار الصامتة لرجال الظل كثيراً ما تكون هي الشرارة التي تضيء طريق الأمم نحو النصر.
المسيرة الخضراء لم تبدأ بخطاب فقط…
بل بدأت ببرقية، وبعين رجل أمن أدرك حجم المؤامرة… وبملك عظيم قرأ ما بين السطور.