الهلالي العرابي الودغيري… ذاكرة فجيج الحية ورجل الدولة الذي عشق الوطن بصمت الكبار

الهلالي العرابي الودغيري
سيرة وطن وذاكرة فجيج ونبض الرجال الكبار

بقلم: سعيد ودغيري حسني

في حضرة الرجال العظام تصمت الكلمات قليلا ثم تنهض الحروف واقفة بخشوع كأنها تؤدي صلاة الوفاء لرجل لم يكن عابرا في زمنه ولا طيفا من ظلال المناصب بل كان نخلة باسقة في أرض فجيج الطيبة جذورها ضاربة في عمق التاريخ وأغصانها ممدودة نحو العلم والوطن والإنسان

الهلالي العرابي الودغيري ذلك الاسم الذي حين يذكر تستيقظ في الذاكرة صور العلماء والحكماء والرجال الذين حملوا الوطن في قلوبهم قبل أن يحملوا مسؤولياته فوق أكتافهم رجل خرج من رحم الأسرة الكريمة ومن بيت القاضي ومن عبق القصور الفجيجية التي كانت تربي أبناءها على القرآن والكرامة وحب الأرض

فتح عينيه على نور المسيد وحفظ من كتاب الله ما جعل روحه متشبعة بالحكمة والسكينة ثم سار في دروب العلم بخطى الواثق المتأمل فتنقل بين المدرسة الحرة الوطنية بالحسينية ومدينة ديدو قبل أن يشد الرحال إلى القاهرة مدينة الفكر والعروبة حيث كان السفر من أجل المعرفة يشبه رحلة المجاهدين في سبيل النور والحقيقة

وفي زمن كان فيه الحلم بالعلم مغامرة كبرى كان الهلالي العرابي يكتب اسمه بهدوء الكبار في سجل النخبة المغربية التي آمنت بأن الوطن لا يبنى إلا بالعقول المتعلمة والكفاءات الصادقة فغادر بعد ذلك إلى ألمانيا إلى مدينة مشطاط حيث غاص في علوم الأرض والجيولوجيا والمعرفة الدقيقة حتى عاد حاملا دبلوما رفيعا وشهادة رجل سبق زمنه في ميدان قل فيه المتخصصون وكثر فيه الطامحون

عاد إلى المغرب لا متباهيا بعلمه بل متواضعا كأن المعرفة زاد روحي لا وسام للتفاخر فالتحق بوزارة الطاقة والمعادن بمدينة وجدة ثم واصل مساره بالعاصمة الرباط حيث تقلد مسؤوليات جسام وكان من الأطر الوطنية اللامعة التي جمعت بين الكفاءة والنزاهة وبعد النظر حتى صار مديرا عاما للجيولوجيا ورمزا من رموز الإدارة الوطنية الهادئة التي تشتغل بصمت وتترك الأثر العميق

لكن المناصب لم تستطع أن تبعده عن فجيج ولم تستطع المدن الكبرى أن تنتزع من قلبه عشق القصور القديمة والنخيل والناس البسطاء فقد ظل وفيا لمدينته يحملها في ذاكرته كما يحمل المؤمن دعاءه في قلبه وكان يرى في زناكة والوداغير وباقي القصور وجها واحدا لمدينة واحدة وروحا واحدة لتاريخ واحد فكان الحكيم الذي يلجأ إليه الناس والمثقف الذي يسمع الجميع لصوته والرجل الذي يجمع ولا يفرق ويبني ولا يهدم

وفي السياسة كما في الإدارة كان مثال المسؤول النزيه الذي جعل من المسؤولية خدمة ومن المنصب أمانة فكان عضوا بالمجلس البلدي ثم رئيسا للمجلس الإقليمي وظل في كل المواقع ابن فجيج البار الذي لا يساوم في حب مدينته ولا يتردد في الدفاع عن مصالحها بكل صدق وإخلاص

أما في الفكر والثقافة فقد كان عاشقا لذاكرة المدينة وحارسا أمينا لتاريخها العريق فكتب وألف وشارك في إحياء أسماء العلماء والقضاة والوطنيين الذين صنعوا مجد فجيج عبر القرون وأعاد إلى الواجهة صفحات مضيئة من تاريخ السكونيين والراشيديين وسيدي عبد الجبار وغيرهم من رجالات العلم والقضاء الذين حملوا مشعل الإشعاع الحضاري والديني للمدينة لأكثر من ثلاثة قرون

ولم يكتف بحفظ الذاكرة في الكتب والدراسات بل حولها إلى صورة حية تنبض بالحياة حين بادر إلى فتح متحف متنوع بمدينة فجيج جمع فيه كنوزا من التراث والوثائق والأدوات والصور والمقتنيات القديمة فصار ذلك الفضاء الثقافي جسرا بين الأجيال ومرآة لذاكرة المدينة وروحها العريقة وكأن الهلالي العرابي كان يقول للأجيال القادمة إن المدن التي لا تحفظ ذاكرتها تمضي نحو النسيان أما فجيج فستبقى حية بأبنائها الأوفياء وبتراثها الممتد مثل ظلال النخيل في الواحات

ولأن الأرواح الكبيرة لا تكتفي بأن تضيء طريقها وحدها فقد كان المهندس الهلالي العرابي الودغيري شعلة أيقظت في أبناء فجيج عشق الكتابة والبحث والتنقيب في ذاكرة الواحات فكم من مثقف وشاب وباحث حمل القلم بعدما رأى فيه صورة الرجل الذي يحاور التاريخ بمحبة ويحفظ التراث بوفاء ويمنح للمدينة صوتا لا يشيخ

لقد فتح الأبواب أمام جيل كامل من أبناء فجيج كي يكتبوا عن تاريخها وتراثها وحياتها العامة فانبثقت الأقلام من بين ظلال النخيل كما تنبثق العيون من قلب الصحراء وصار الحديث عن القصور والعادات والأنساب والعلماء والحياة اليومية فعلا من أفعال الوفاء الجماعي للمدينة وكان أولئك الباحثون والمثقفون جنود ذاكرة يستحقون كل الشكر والتقدير لأنهم حملوا المشعل بمحبة وواصلوا المسير على الدرب نفسه الذي عبده الرواد الكبار

لقد كان الهلالي العرابي الودغيري مدرسة في الأخلاق قبل أن يكون مدرسة في العلم رجلا يتحدث بهدوء العلماء وبساطة الحكماء لا يرفع صوته لكنه يرفع قيمة الكلام ولا يسعى إلى الظهور لكنه حاضر في القلوب والذاكرة والوجدان

وإذا كانت فجيج اليوم تكرمه فإنها في الحقيقة تكرم جيلا كاملا من الرجال الذين صنعوا المجد بالصبر والعمل والعلم والإخلاص تكرم روح الوطنية النقية وتكرم صورة المغربي الأصيل الذي ظل وفيا لجذوره مهما ارتفعت مكانته وكبرت مسؤولياته

سلام على الهلالي العرابي الودغيري يوم عشق فجيج ويوم خدم الوطن ويوم كتب اسمه في ذاكرة الرجال النبلاء الذين لا يغيبون وإن غابوا لأن أثرهم يبقى مثل النخيل شامخا في أرض الواحات ومثل الدعاء الطيب في قلوب الناس.