تقرير: الاقتصاد غير المهيكل والشيخوخة يهددان استدامة صناديق التقاعد بالمغرب

وضع تقرير حديث للمندوبية السامية للتخطيط الاقتصاد غير المهيكل في قلب التحولات الاجتماعية والديموغرافية التي يعرفها المغرب، باعتباره أحد المحددات الأساسية لإعادة تشكيل علاقات الشغل، وتوزيع الدخل، واستدامة أنظمة الحماية الاجتماعية في العقود المقبلة.

ويأتي هذا التحليل في سياق دينامية إصلاحية متواصلة منذ سنة 2021، تستهدف توسيع منظومة الحماية الاجتماعية، من خلال تعميم التغطية الصحية الإجبارية، وإدماج العاملين غير الأجراء في أنظمة التقاعد، وتوسيع نظام التعويضات العائلية.

ويرى التقرير أن هذه الأوراش لا يمكن فصلها عن التحولات العميقة في بنية سوق الشغل، وفي مقدمتها استمرار هيمنة الاقتصاد غير المهيكل، وضعف مشاركة النساء، وتسارع الشيخوخة السكانية.

ويبرز التقرير أن هذه العناصر الثلاثة لا تتجاور فقط داخل المشهد الاجتماعي، بل تتفاعل فيما بينها بشكل يراكم الاختلالات عبر الزمن، فاستمرار التشغيل غير المهيكل، الذي يستوعب أكثر من ثلاثة أرباع اليد العاملة، يحد من التغطية الاجتماعية ويقلص قاعدة المساهمين.

وفي المقابل، فإن ضعف إدماج النساء في سوق الشغل، بمعدل نشاط لا يتجاوز 19,1 في المائة مقابل 68,6 في المائة لدى الرجال، يضاعف من ضيق هذه القاعدة ويعمّق الفجوة بين الجنسين داخل سوق العمل.

وفي موازاة ذلك، يرصد التقرير تسارع التحول الديموغرافي، حيث يُتوقع أن ترتفع نسبة من تفوق أعمارهم 60 سنة من أقل من 10 في المائة سنة 2014 إلى أزيد من 23 في المائة بحلول سنة 2050، مع تجاوز نسبة إعالة المسنين لمعدل إعالة الأطفال، هذا التحول، بحسب التقرير، سيعيد رسم التوازنات بين الأجيال، وسيفرض ضغوطاً متزايدة على المالية العمومية وعلى آليات التضامن الاجتماعي.

وتتضح، وفق المعطيات الواردة، ملامح علاقة ترابطية بين هذه التحولات، إذ يؤدي توسع الاقتصاد غير المهيكل إلى هشاشة المسارات المهنية، بما ينعكس مباشرة على الحقوق التقاعدية مستقبلاً، بينما يساهم ضعف مشاركة النساء في تقليص قاعدة المساهمين، في وقت تتوسع فيه الفئات غير النشيطة بفعل الشيخوخة.

وفي هذا الإطار، يكشف التقرير عن فروقات واضحة في الولوج إلى أنظمة التقاعد، حيث لا تتجاوز نسبة النساء البالغات 60 سنة فما فوق اللاتي يتقاضين معاشاً تقاعدياً 15 في المائة، مقابل 37 في المائة لدى الرجال.

ويعزو التقرير هذا التفاوت إلى تراكمات تمتد عبر مسار الحياة المهنية، تبدأ من فرص الولوج إلى الشغل، مروراً بطبيعته (منظم أو غير منظم)، وصولاً إلى مستويات الأجور والتصريح بها.

كما قدم التقرير قراءة استشرافية لسوق الشغل في أفق 2070، تعتمد على نماذج محاكاة تأخذ بعين الاعتبار الفوارق حسب النوع الاجتماعي ومستوى التعليم، مع إدماج البطالة والقطاع غير المهيكل كمتغيرات داخلية.

وتُظهر هذه النماذج أن السياسات القطاعية المعزولة، سواء ركزت على العرض أو الطلب، لا تحقق أثراً متوازناً، بل تنقل الضغوط بين البطالة والاقتصاد غير المهيكل دون تقليصها بشكل مستدام.

وتشير النتائج إلى أن تعزيز مشاركة النساء أو رفع المستوى التعليمي، في غياب دينامية إنتاجية موازية قادرة على خلق وظائف منظمة، قد يؤدي إلى توسع التشغيل غير المهيكل أو ارتفاع البطالة.

وفي المقابل، فإن المقاربات المدمجة التي تجمع بين تحسين سوق الشغل وتطوير الإنتاجية وإصلاح آليات المطابقة، تبدو أكثر قدرة على إعادة التوازن تدريجياً.

ويخلص التقرير إلى أن التحدي المركزي لا يرتبط فقط بتوسيع فرص الشغل، بل بقدرة الاقتصاد على تحويل التحولات الديموغرافية والاجتماعية إلى رافعة لإعادة بناء نموذج أكثر إدماجاً، يربط بين الشغل المنظم، والمساواة بين الجنسين، واستدامة الحماية الاجتماعية عبر الأجيال.

المصدر: 2.ma