الأحزاب بين أزمة المصداقية وعجز التنمية: إلى أين يتجه المشهد السياسي المغربي؟

في ظل التحولات السياسية التي يعرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، أصبح من الصعب الحديث عن ترسيخ الثقة في العمل السياسي والحزبي. فالمشهد الحزبي بات يتسم بتنامي ظاهرة الترحال السياسي، وتغيير المواقع والانتماءات وفق حسابات انتخابية ضيقة، أكثر مما تحكمه القناعات الفكرية أو البرامج السياسية الواضحة.
لقد تحولت بعض الأحزاب إلى فضاءات لاستقبال الوافدين الجدد بحثا عن الأعيان والأصوات الانتخابية، بدل الاستثمار في تكوين النخب السياسية وتأطير المواطنين. وهو ما ساهم في إفراغ الانتماء الحزبي من معناه الحقيقي، وتحويل السياسة في نظر جزء واسع من المواطنين إلى مجرد وسيلة للوصول إلى المناصب والمصالح والنفوذ.
إن أزمة الثقة التي يعيشها المواطن المغربي تجاه الأحزاب ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات طويلة ارتبطت بضعف الديمقراطية الداخلية داخل عدد من التنظيمات الحزبية، وهيمنة منطق الولاءات الشخصية والعائلية، وتراجع دور الكفاءات الفكرية والثقافية التي كانت تؤطر النقاش السياسي وتساهم في إنتاج الأفكار والبدائل.
لقد عرف المغرب في مراحل سابقة حضورا قويا للمثقفين والمفكرين داخل الأحزاب السياسية، حيث كانت المعركة الأساسية تدور حول المشاريع المجتمعية والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. أما اليوم، فقد تراجع هذا الدور بشكل ملحوظ، لصالح صعود فاعلين انتخابيين لا يشكل الفكر أو البرنامج أولوية بالنسبة لهم، بقدر ما يشكل الموقع الانتخابي ومراكز النفوذ هدفا رئيسيا.
كما أن استفحال بعض المظاهر السلبية المرتبطة بالفساد السياسي والريع والزبونية، وتزكية أشخاص تحوم حولهم شبهات أو تلاحقهم متابعات قضائية، يزيد من تعميق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات الحزبية. ويطرح هذا الواقع أسئلة حقيقية حول فعالية المنظومة القانونية والسياسية في ضمان تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
اقتصاديا واجتماعيا، ينعكس ضعف الأداء السياسي بشكل مباشر على واقع التنمية. فالمواطن لا ينتظر فقط انتخابات دورية، بل ينتظر حلولا ملموسة لمشكلات البطالة وغلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية والفوارق الاجتماعية والمجالية. غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل رهينا بوجود مؤسسات سياسية قوية، وأحزاب ذات مصداقية، ونخب قادرة على إنتاج السياسات العمومية ومراقبة تنفيذها.
إن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق في ظل منظومة حزبية تعاني من أعطاب بنيوية، ولا في ظل غياب المشاركة المواطنة الفعالة. فالحكامة الجيدة تقتضي الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام الديمقراطية الداخلية، وتكافؤ الفرص، وإشراك الكفاءات والخبرات الوطنية في صناعة القرار العمومي.
ويبقى السؤال الجوهري المطروح اليوم: كيف يمكن بناء نموذج تنموي قوي وعادل، وتحقيق العيش الكريم للمواطنين، في ظل استمرار مظاهر فقدان الثقة في المؤسسات الحزبية؟ إن الجواب يبدأ بإصلاح الحياة السياسية نفسها، وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي النبيل باعتباره أداة لخدمة المجتمع، لا وسيلة لتحقيق المصالح الضيقة أو التموقع الانتخابي.
فبدون أحزاب قوية وديمقراطية وذات مصداقية، سيظل الحديث عن التنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية التشاركية ناقصا، وستبقى الهوة قائمة بين المواطن والسياسة، وبين الطموحات الشعبية والواقع المعاش.

المصدر: 7 وجدة.