«كوميسير التفتيش» الوهمي.. 12 سنة من الادعاء تنتهي بسقوط القناع.تتواصل فصول قضية مثيرة للجدل بعدما كشفت معطيات جديدة أن الشخص الموقوف للاشتباه في انتحاله صفة عميد شرطة ممتاز بالمفتشية العامة للأمن الوطني لم يكن مجرد مدّعٍ لصفة أمنية، بل تمكن، وفق المعطيات المتوفرة، من بناء شبكة واسعة من العلاقات داخل الوسط الأمني، والاستفادة لسنوات من صورة «كوميسير التفتيش» التي كان يقدم بها نفسه.وتشير المعطيات نفسها إلى أن الفرقة الوطنية للشرطة القضائية باشرت الاستماع إلى عدد من المسؤولين والموظفين الأمنيين الذين سبق لهم التعامل مع المشتبه فيه، من بينهم نائب رئيس المنطقة الأمنية بوزان، وذلك في إطار البحث الرامي إلى كشف طبيعة علاقاته وكيف تمكن من التحرك داخل محيط أمني مستنداً إلى صفة غير حقيقية.12 سنة داخل «مسرح الصفة الوهمية»بحسب المعلومات المتوفرة، ظل المشتبه فيه، لنحو 12 سنة، معروفاً لدى عدد من المسؤولين والموظفين الأمنيين في مدن مختلفة، بل كان يتمكن من ولوج ولاية أمن فاس دون أن تثار، طوال تلك الفترة، شكوك جدية حول حقيقة صفته أو تتم مطالبته بإثبات انتمائه إلى جهاز الأمن الوطني.واللافت في القضية أن الرجل كان يقدم نفسه تحديداً باعتباره «كوميسير تفتيش» تابعاً للمفتشية العامة للأمن الوطني، وهي صفة ذات حمولة اعتبارية ونفوذ خاص داخل المؤسسة الأمنية، ما ساعده، وفق المعطيات المتوفرة، على نسج علاقات مع عدد من رجال الأمن والمسؤولين.ومن المفارقات التي تطرحها القضية أن المعني بالأمر يبلغ طوله، حسب المعطيات المتداولة، حوالي متر و20 سنتيمتراً، وهو ما يجعل التحاقه بسلك الأمن أمراً غير ممكن وفق الشروط المطلوبة، غير أن هذا المعطى لم يمنع، بحسب المعلومات المتوفرة، استمرار تصديقه والتعامل معه باعتباره مسؤولاً أمنياً لسنوات.من «الكوميسير» إلى شبهة الاحتياللم تتوقف استفادة المشتبه فيه من صفته المزعومة عند حدود بناء العلاقات داخل الوسط الأمني، إذ تشير المعطيات إلى أنه استغل معرفته بتفاصيل بعض المصالح والأقسام التابعة للمفتشية العامة للأمن الوطني لإقناع صاحب مطعم بمدينة تطوان بقدرته على التدخل في ملف يخصه.وتعود تفاصيل الواقعة، وفق المعطيات المتوفرة، إلى أن صاحب المطعم اشتكى للمشتبه فيه من محضر أنجزه رجال شرطة بشأن واقعة معينة ولم يكن راضياً عنه.حينها، قدم له «الكوميسير» المزعوم نفسه باعتباره قادراً على التدخل، مقابل 20 ألف درهم، مؤكداً له أن عناصر من المفتشية ستحل بالدائرة الأمنية المعنية في غضون أسبوع.ولإضفاء مزيد من المصداقية على روايته، عمد المشتبه فيه إلى كتابة رسالة مجهولة المصدر تتضمن شكاية بشأن الواقعة نفسها.وبما أن المصالح الأمنية تتفاعل مع الشكايات وتباشر بشأنها الأبحاث اللازمة، فقد تم فعلاً فتح بحث في الموضوع، وهو ما استغله المشتبه فيه، وفق المعطيات، ليقدم الأمر لصاحب المطعم على أنه نتيجة مباشرة لنفوذه، وأنه نجح في تحريك عناصر المفتشية والتدخل في الملف لفائدته.الشكوك تظهر.. والأسطورة تنهاربعد سنوات من تقديم نفسه بهذه الصفة، بدأت الشكوك تحوم حول حقيقة هوية المشتبه فيه وانتمائه إلى جهاز الأمن الوطني، بعدما قدم إلى مدينة فاس خلال شهر يونيو الماضي، مدعياً أنه يوجد في إجازة تمتد لـ15 يوماً.غير أن مصالح الشرطة القضائية بفاس أخضعت ادعاءاته للتدقيق، لتتكشف الحقيقة: الرجل لا ينتمي إلى سلك الأمن الوطني.وعلى إثر ذلك، تم توقيفه وإخضاعه للبحث، قبل أن تقرر النيابة العامة المختصة وضعه رهن الاعتقال الاحتياطي على خلفية الأفعال المنسوبة إليه.وتشمل الأفعال موضوع البحث، وفق المعطيات المتوفرة، الاشتباه في انتحال صفة ينظمها القانون واستغلال النفوذ وإفشاء السر المهني، فضلاً عن أفعال أخرى يجري تحديدها من خلال البحث القضائي.التحقيق يتجاوز «الكوميسير المزيف»اللافت في المرحلة الحالية أن التحقيق لم يعد منصباً فقط على هوية الشخص الذي كان ينتحل الصفة الأمنية، وإنما امتد إلى محيطه والعلاقات التي نسجها طوال فترة تقديم نفسه باعتباره مسؤولاً أمنياً.وفي هذا السياق، تستمع الفرقة الوطنية للشرطة القضائية إلى عدد من المسؤولين والموظفين الأمنيين الذين سبق لهم التعامل معه، ومن بينهم نائب رئيس المنطقة الأمنية بوزان، وذلك لمحاولة فهم طبيعة العلاقات التي أقامها، وكيف استطاع أن يحظى بهذا القدر من الثقة داخل محيط يفترض فيه التدقيق الصارم في صفات الأشخاص وانتماءاتهم.كما يطرح التحقيق سؤالاً مركزياً: كيف تمكن شخص غير منتمٍ إلى المؤسسة الأمنية من الحفاظ على هذه الصفة المزعومة وبناء شبكة من العلاقات داخل الجهاز طوال سنوات؟حتى بعد توقيفه.. استمرار الادعاءومن المعطيات التي تزيد القضية إثارة، أن المشتبه فيه ظل، حتى بعد توقيفه، متشبثاً بالرواية نفسها، حيث تشير المعلومات المتوفرة إلى أنه استمر في تهديد بعض رجال الأمن بالتواصل مع الوكيل العام للملك، مدعياً امتلاكه القدرة على إنهاء هذا الملف ووضع حد للتداعيات المترتبة عنه.علاقة قديمة ومسار بدأ بحلم الولوج إلى الشرطةوتتضمن خلفية القضية، وفق المعطيات المتوفرة، علاقة سابقة للمشتبه فيه بـعبد الحق عدلي، الوالي السابق للأمن والمدير السابق لمؤسسة الأعمال الاجتماعية بالمديرية العامة للأمن الوطني، وهي العلاقة التي قيل إنها كان لها حضور في مساره منذ سنوات.وبحسب المعطيات ذاتها، ساهمت تلك العلاقة في تمكينه من الاطلاع على بعض تفاصيل المصالح والأقسام التابعة للمفتشية، كما كان يتحدث عن علاقات داخل المؤسسة الأمنية، الأمر الذي ساعده على تقديم روايته بشكل أكثر إقناعاً أمام من تعامل معهم.واللافت أن المشتبه فيه كان قد أبدى، في وقت سابق، رغبة في الالتحاق بسلك الشرطة، وتقدم سنة 2018 لاجتياز المباراة، غير أنه لم يتمكن من الالتحاق بالجهاز.وبمرور السنوات، يبدو أن مساره انتقل، وفق ما تكشفه المعطيات موضوع البحث، من محاولة الولوج إلى المؤسسة عبر الباب القانوني إلى سلوك طريق آخر يقوم على انتحال صفة مسؤول أمني وتقديم نفسه باعتباره عميد شرطة تابعاً للمفتشية العامة للأمن الوطني.وهكذا، تحولت قصة «كوميسير التفتيش» من صفة ادعاها صاحبها لسنوات إلى ملف قضائي مفتوح، تتسع دائرته من شخص مشتبه فيه بانتحال الصفة إلى شبكة من العلاقات والمعاملات التي تحاول التحقيقات الحالية فك خيوطها وتحديد حقيقة ما جرى خلالهاِعن نيشان كمصدر فقط للمعلومة.