يبدو أن زمن تحويل الفضاء الأزرق إلى ساحة مفتوحة للتشهير والقذف وتصفية الحسابات قد بدأ يواجه امتحان القضاء، بعدما اختار مدير جريدة «أخبار الشرق» سلوك المساطر القانونية ضد صاحب حساب على مواقع التواصل الاجتماعي، على خلفية تشهير و قذف و ادعاءات كاذبة و مساس بحرمة الغير، اعتبرها المعني بالأمر مسيئة إلى شخصه وإلى المنبر الإعلامي الذي يديره هو و مجموعة من الهيئات الإعلامية و المجلس الحقوقي الجهوب الذي يترأسه.
وتأتي هذه الخطوة القضائية، وفق المعطيات المتوفرة، بعد إنجاز تقرير بواسطة مفوض قضائي تضمن عملية تفريغ وتوثيق للمحتويات والمنشورات موضوع الشكاية، بما يجعل الأمر يتجاوز مجرد سجال افتراضي على مواقع التواصل الاجتماعي إلى ملف أصبح يعرص على الجهات القضائية المختصة خاصة ما يتعلق بالتشهير باعتباره جناية يعاقب عليها القانون.
وحسب مضمون الشكاية، فإن بعض ما نُشر على الحساب المذكور اعتُبر من طرف المشتكي مساساً بسمعته واعتباره الشخصي و المهني و الهيئات التي يديرها وقذفاً وتشهيراً في حقه وفي حق المنبر الإعلامي، فضلاً عن ادعاءات يرى أنها تستوجب التحقيق والتثبت من مدى صحتها ومصدرها والغاية من نشرها.
ولم تتوقف تداعيات الملف عند الشكاية التي تقدم بها مدير الجريدة، إذ بادرت كذلك هيئة الفيدرالية المغربية للصحافة والنشر، بحسب المعطيات المتوفرة، إلى اتخاذ إجراءات قانونية في مواجهة الجهة نفسها، كما دخل المجلس الجهوي للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان ومحاربة الفساد على الخط، من خلال سلوك المساطر القانونية بشأن ما اعتبره إساءة وتشهيراً للمجلس في شخص رئيسه .
*حين يصبح «الحساب التواصلي» دليلاً أمام القضاء.
القضية تطرح من جديد سؤالاً بالغ الحساسية حول حدود حرية التعبير في مواقع التواصل الاجتماعي، والفرق بين النقد المشروع وبين الأفعال التي قد تتخذ طابع القذف أو التشهير أو نشر ادعاءات تمس بسمعة الأشخاص واعتبارهم.
فالفضاء الأزرق، مهما اتسعت مساحته، لا يشكل منطقة خارج القانون، و النشر الإلكتروني لا يفقد آثاره القانونية لمجرد نشره خلف شاشة أو بواسطة حساب يحمل إسم صاحبه.
وفي المقابل، تبقى مسؤولية تحديد ما إذا كان هذا الفعل موضوع الشكايات تشكل فعلاً جرائم يعاقب عليها القانون من اختصاص السلطات القضائية المختصة وحدها، بعد دراسة الأدلة والاستماع إلى الأطراف وتمكين المشتكى به من كامل حقوقه في الدفاع.
وتندرج هذه الشكايات، وفق التكييف القانوني الذي تستند إليه الجهات المشتكية، ضمن المقتضيات التي يجرم بها القانون المغربي بعض أفعال المساس بالحياة الخاصة و التشهير سواء عبر الصورة أو الفيديو أو الإشارة إلى الإسم ناهيك عن القذف و التشهير و الادعاءات الكاذبة ، ومنها الفصلان 447-1 و447-2 من القانون الجنائي، مع بقاء التكييف النهائي للأفعال من اختصاص القضاء.
رسالة واضحة: الصحافة تُنتقد.. لكنها لا تُجلد بالإشاعة:
وتحمل هذه القضية، في جانبها المهني، رسالة أوسع: النقد حق، والصحافة ليست فوق المساءلة، لكن سمعة الأشخاص والمؤسسات الإعلامية ليست مباحة للوشايات والادعاءات غير الموثقة.
فالاختلاف مع صحفي أو مدير جريدة يمكن أن يُعبَّر عنه بالنقد، والرد، وحق التصحيح، واللجوء إلى القضاء، لكن عندما تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاء لنشر اتهامات خطيرة دون إثبات، فإن الفيصل ينبغي أن يكون القانون والقضاء، لا حملات التشهير الإلكترونية.
وبينما ينتظر الرأي العام ما ستسفر عنه المساطر القضائية المفتوحة، يبقى الأهم هو أن تأخذ العدالة مجراها، وأن يتم التحقيق في كل الادعاءات والأدلة المعروضة، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الإدانة الافتراضية.
القضية إذن لم تعد مجرد «تشهير» عابر على الفضاء الأزرق؛ بل أصبحت، بحسب المعطيات المتوفرة، ملفاً قانونياً تتقاطع فيه حماية السمعة والاعتبار المهني مع حرية التعبير والمسؤولية عن المحتوى الرقمي.
والكلمة الأخيرة، في النهاية، للقضاء.